08‏/09‏/2014

سوريا: هوية شعب في نـول وصابون وزي شعبي.. «أُبهة» تعيد الحياة لسوق الحرف اليدوية في دمشق

لبنى شاكر:

للشعوب وجهٌ أبعد ما يكون عن الساسة والمنظرين، تراه في البيوت والأسواق والمتاحف، من إناء الطعام إلى مزهرية الورد، في الأعراس والأسواق، حتى في الأمثال واللهجات، وما بين الصيف والشتاء، الحاجة والوجاهة الاجتماعية، الريف والمدينة، تتباين تفاصيل كثيرة، وفي مجملها، هوية شعب. 

ولا مبالغة ربما، إذا قلنا إن (العبي المقصبة والطربوش الأحمر، الطرحة والشروال، الساتان والمخمل والقطنيات، الأغباني والتطريز، الكبة والفلافل)، وغيرها الكثير جداً، أجزاء من الهوية الثقافية السورية، يكفي أن تراها أو تسمع عنها، وستعرف أن منشأها محافظة سورية، وهنا تكمن القيمة الحقيقية، في الحفاظ على كل ما سبق، ليس لأنها رفاهيات للبعض أو تراث منسي لغيرهم، هي ملامح لشعبٍ، يعرفنا بها الآخرون.

لخدمة حرف البلد

قبل عام، ظهرت (السورية للحرف)، أحد برامج الأمانة السورية للتنمية، بهدف دعم المنتجات الحرفية السورية، والارتقاء بها، من خلال تحويلها إلى منتجات عصرية، بعيدا عن كونها مهملات أو أشياء قديمة، إضافة إلى دعم الحرفيين المتضررين خلال الأزمة، وخلق فرص عمل جديدة لهم، حتى لا يتخلوا عن حرفهم.
بدأت بمجموعة من الخطوط (النول، الصابون، الأطعمة المنزلية، الكروشيه، الأزياء السورية)، واختارت عدداً من المحلات في التكية السليمانية، لعرض منتجاتها، من خلال اتفاقية مع وزارة السياحة.
لكن كيف يمكن للحرفي أن يستفيد من هذا المشروع، سألنا المدير التنفيذي لبرنامج (السورية للحرف) فادي فرح، وأجاب: أبوابنا مفتوحة لأي حرفي، ونوجه الدعوات دائما لاستقبال أي حرفي لديه حرفة أو مهنة مهددة بالاندثار أو مشروع لإحياء مهنة، بشكل منطقي وواقعي، ولدينا رغبة بالتواصل مع الجميع سواء عن طريق الهاتف أو الفيس بوك.
وكجهة تنموية غير ربحية، تضع (السورية للحرف) نفسها في خدمة الحرفي والحرفة، لتكون التنمية حالة مستمرة، فهي كما شرح مديرها: تؤمن للحرفي التصميم ومراقبة جودة التنفيذ والتغليف والعرض وأسلوب البيع الحديث، لتستمر المهنة، ويتم استثمار العائدات لدعم حرف إضافية، وندعو كل المهتمين بالحرف اليدوية إلى زيارة محلات «السورية للحرف» في التكية السليمانية حيث يتم تسويق المنتجات بعلامة (أُبهة).

توثيق الزي الشعبي

صمم الحرفيون في المشروع، دمى تراثية، تعرض الزي الشعبي لعدد من المحافظات، إضافة إلى أزياء الإثنيات في النسيج السوري، على شكل مجموعتين، دمى منفردة أو أسرة كاملة، الهدف منها كما، قال المسؤول الإداري والتسويقي في المشروع عارف فريد: توثيق الزي الشعبي، وتبيان الهدف من أجزائه، (فالشروال) مثلا يلبس للحقل، بينما تتزين المرأة بحلي خاصة بكل منطقة، حاولنا أن نعرّف الناس بطريقة تصنيع هذه الأجزاء، وعلاقتها بالعادات والتقاليد، وهي معروضة في التكية، ويهتم المشروع أيضاً بذوي الحاجات الخاصة، وتعليمهم حرفاً بسيطة، تعينهم في الحياة، بإشراف مدربة مختصة.
ومن الضروري جداً المحافظة على أصل الحرفة والمنتج، مع تقديمها بشكل يتناسب مع حاجات السوق الجديدة، وهي ميزة، فالحرفة تراث سوري لامادي، يجب عدم التفريط بها. شاركت الحرفية ميادة رمضان، في خياطة الدمى، وهي تمتهن الخياطة منذ زمن طويل، لكن، وبسبب الظروف، توقفت عن العمل، وفقدت الاتصال بمعظم زبوناتها، سمعت عن السورية للحرف، وانضمت إليها، وعن الفكرة قالت (الفكرة لافتة لكونها تحيي اللباس القديم، ولاسيما أن بعضه لم يعد موجوداً أو متداولاً، وعلى عكس ما يظنه البعض، مازال الإقبال على اللباس التقليدي جيداً، ولاسيما من المغتربين، ومؤخراً زارتنا شابة، عبّرت عن رغبتها بارتداء الزي الكردي، في زفافها).

صابون طبيعي ومونة للمواسم

أشكال وألوان مختلفة من الصابون، يمكن التعرف عليها، في المحل المخصص لها في التكية، وعنها تحدث المشرف على خطوط الغذائيات والصابون محمود الهندي: نبحث عن أي حرفي ينتج الصابون من مواد طبيعية، من دون أي إضافات كيميائية، لنحصل على منتج طبيعي مفيد، ونحافظ على هذه الحرفة السورية من الضياع، إذ يقدم فريق المختصين لدينا المواصفات للمورد من حيث وزن الصابون ومكوناته، ليصل الصابون إلينا مصنعاً من دون تغليف، ثم نتعاون مع سيدات تضررن من الأزمة، للتغليف في مراكز تابعة لنا، ويتم التوزيع على محلاتنا في التكية، أو للصيدليات والمحلات.
ولأن صابون الغار الحلبي، يكاد يكون الأكثر شهرة سورياً وعربياً، سألنا المشرف، وأوضح: التعاون مستمر مع المصنعين في حلب، رغم كل الظروف، تبعاً للمواصفات المطلوبة، وكذلك مع محافظات عدة.
وفي التكية أيضاً، (مواد تموينية كالزيتون والمكدوس والشراب المركز، ضمن مواصفات محددة وتبعاً للمواسم، من دون أي مواد حافظة، بسعر منخفض).

منتجات حديثة للنول

لم يغب عن السورية للحرف، الاهتمام بالنول كرمز تراثي سوري، فقدمته في محلاتها، مع نماذج لمصنوعات عصرية، تلقى إعجاب الناس وتتناسب مع متطلبات العصر.. أيضاً أضاف المشرف على خطوط النول والكروشيه ربيع مصطفى: لو استمر إنتاج النول مقتصراً على البسط والسجاد، فلن يخرج عن الإطار التقليدي المعروف عنه، ولن يزداد الإقبال على منتجاته، ولاسيما أنها مرتفعة السعر.
وشرح: نقدم للحرفي النول والخيوط والتصاميم وطريقة العرض والتغليف ضمن ورشات تتبع لنا، وفي محاولة تنويع إنتاج النول، أنتجنا مخدات وجزادين نسائية وبسطاً للطاولات، مع الجلد الطبيعي، والحرير والقطن، بنقشات حديثة، بعد أن كان مقتصراً على نوع واحد من الخيوط، ونرفق المنتج بفكرة تعريفية عنه ليعرف الناس قيمته وحجم الجهد المبذول لإنتاجه، مع اسم الحرفي أو العامل، وعدد ساعات العمل، فتصبح لكل قطعة بصمة خاصة.

غياب لأي دعم حكومي

الحرفي إبراهيم أيوبي، صاحب خبرة طويلة في النسيج اليدوي والآلي، عمل مع السورية للحرف، بعد أن تضرر كغيره من الحرفيين بسبب الأزمة وانعكاسها على السياحة، وعن الدعم الحكومي للحرفيين، قال: دعم الحرف حكومياً (نظري) لا يتجاوز كونه مادة إعلامية، لكن فعلياً لا وجود لدعم ملموس، وفي هذه الظروف يفضل كثير من الحرفيين السفر، بحثاً عن الرزق، ولم يعد سوق المهن التقليدية في التكية، كما كان، اليوم تطغى عليه الحالة التجارية، حتى إن البعض يحصلون على شهادة بحرفة ما، لكنهم لا يعلمون عنها شيئاً، هذا جزء بسيط من معاناة الحرفيين السوريين.

تسلية صارت مهنة

من باب التسلية علمتها جدتها، صناعة الكروشيه، وخلال سنوات طويلة مارستها، وحاولت أن تطور نفسها بالاطلاع على موديلات جديدة دائماً، قبل أن يصبح الانترنت متاحاً، الحرفية والمشرفة على ورشة الكروشيه رندة الآغا، أضافت: كما يقال (الشغل بحر)، اكتسبت خبرة خلال أكثر من خمسة وعشرين عاماً، وحافظت على هذه الحرفة القديمة، لم يخطر في بالي أن تصبح مهنة لي، أحاول بالتعاون مع المصممين في المشروع، دمج الماضي والحاضر، حيث نعاصر الموضة في الألوان والتصاميم والخيوط، ليبقى الكروشيه عصرياً ومطلوباً في كل منزل، مع استمرار شغل السنارة يدوياً.
كل ما سبق، جزء من حرف سورية كثيرة، بعضها اختفى، أو يوشك على الاختفاء، وبغياب الحرفة، لا نفقدها فحسب، بل نفقد جزءاً من ثقافة غنية بتراث، نجهل عنه الكثير.


تشرين - سوريا: هوية شعب في نـول وصابون وزي شعبي.. «أُبهة» تعيد الحياة لسوق الحرف اليدوية في دمشق

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق