05‏/08‏/2014

سوريا: "لكـم تخفق القلوب"

عفاف يحيى الشب:

والسلام لقلوبكم الطاهرة يا أطفال سورية.. لضحكاتكم الساحرة.. لأجسادكم المنداة بعبير الحب.. يا من لا تعرفون كرهاً ولا حقداً.. تزرعون الحياة فرحاً وحباً.. تمطرون فضاءاتنا بالأمل.. تمنحون سنواتنا التعبة الشفاء من العلل.. أنتم يا صغارنا فراشات حسان تسكنون قلوبنا وتستضيفكم الأهداب والأجفان بلا استئذان.. بكم تصفو الأيام ودونكم نعيش الانفصام والحسرة تذبح النفوس والملل يغمر الوجود، وكم من أم حرمت نعمة الأمومة فعاشت في ضيق تبحث عنكم في كل مكان.. 
واليوم يا أطفال سورية تُغتالون وتُهدر أجسادكم بلا رحمة ولا خوف من الحساب ولا لإنهائكم عنوان يندرج تحت أي بند كان، إلا القتل لأجل القتل والانتقام الذي ترفضه الشرائع والأديان، وأطفالنا.. أكبادنا على الأرض يتوزعون وفق شرائح اجتماعية شتى فمنهم من يعيش في بحبوحة وحياة سعيدة تحت مظلة أسرة ناجحة وقويمة، ومنهم من يعرف القهر نتاج اليتم أو افتراق الأبوين ومنهم من يعرف الفقر قبيل الأوان ويعيش الحاجة والحرمان، ومنهم من ضل من قدميه سواء الطريق فراح إلى التسول وإلى العمل المبكر الشاق والاستغلال، ولطالما وقف أهل الوجدان من رجالات العدل والميزان ومن المربين وأصحاب المال لنصرتهم وتوفير الحماية لهم، إضافة إلى ذلك كانت الأقلام النظيفة حاضرة دوماً في ساحات النضال للدفاع عن كل طفل سرقت منه نعمة الاحتضان الأسري، فشرّد إلى الشارع للتسول ويده الضئيلة ممدودة وخجولة لجمع ليرات يعطيهم لذويه أو مستغليه أو ليشتري لقيمات قليلة....
لأجلكم كانت الدنيا تقوم وتقعد مهما كانت أعدادكم ومنابتكم وطوائفكم وأماكنكم...
قبيل الأزمة أنشئت في سورية مراكز رعاية الطفولة ومدارس للمعوقين ودور للأيتام وملاعب وحدائق مبهرة لاستضافتهم وإدخال السرور إلى قلوبهم، وما إلى ذلك من حكايات عديدة في خطوة ما، لتحقيق طفولة سوية وسعيدة.. اليوم عيوننا تدمع وقلوبنا واجفة تخشع ونحن محزونون لما حل بأطفالنا من مصائب لا تغفر وموت شنيع بمثل طريقته وبشاعته، لم يسمع في كل تواريخ الحروب والتعديات وكل ملفات الاستباحات والاختراقات...
في كل مكان اليوم وفي أي زمان أطفال سورية يقتلون ومنظمات حقوق الإنسان لا تقول كلمة حق بمن يقتلون ظلماً أطفالنا بلا ذنب اقترفته أياديهم، والتي تعرف قطف وردة وإطعام هرة والمسح على وجنة محب، لكنهم لا يعرفون لِمَ الكبار يحملون كل أسلحة الفتك ويقتتلون.
بالأمس كانت «شهد» الجميلة تلعب في حديقة الحارة كأميرة فرح ونبضة سرور وحين وصل والدها قريباً من الحديقة، عائداً من عمله يحمل خبزاً ركضت إليه وقبّلته سريعاً، ثم سحبت رغيفاً ساخناً وعادت إلى رفيقاتها توزعه عليهن وتضحك.. وبالأمس جاءتها من حيث لا تحتسب قذيفة هاون مزقتها، نثرت جسدها الطري اللين إلى أشلاء في الحديقة نفسها، فاهتزت الأشجار حزناً وناحت الحمائم وصرخ الأطفال، فأبكوا الناس والحجر، وعندما رآها بعض زوار الحديقة شعروا بأن الحديقة لملمت أزاهيرها البيضاء وعقدتها فوقها إكليل نقاء، ولقد تحدثت رفيقتها الصغيرة قائلة بطفولة طاهرة وعيونها باكية: «إنها رأت بعينها أن رفيقتها لم تمت.. لا بل رأتها أصبحت شديدة البياض وكانت تضحك وتناديها بسعادة وتطير إلى السماء».. وشهد ليست الطفلة الوحيدة التي أدخلت إلى مسرح الموت قسراً وليست الأخيرة التي اختطفت من سنواتها القليلة قهراً وعنفاً.. لا إنهم آلاف الأطفال ممن قدمتهم تداعيات الأزمة في سورية العالمية كبش فداء..
وعند الأطفال توضع الخطوط الحمراء وتغلق أبواب النار، وتصرخ القلوب: أن كفاكم استباحة للبراعم.. كفى هدراً لليمام.. كفى انتزاعاً للبراءة.. كفى اختراقاً للإيمان.. كفى استهزاء بالأوطان.. كفى تسييساً للمزاعم وكفى حملاً للبنادق.. كفى سفكاً للسلام وكفى تقزيماً للفضائل وتشويهاً للقصائد.


تشرين - سوريا: "لكـم تخفق القلوب"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق