12‏/05‏/2014

سوريا: المراكز الثقافية في دائرة الضوء .. مثقفون وإداريون يسردون قصة الجمهور النائم في قاعات محاضراتها..

سامر محمد إسماعيل:

حين نكون في بلد يضم قرابة خمسمئة مركز ثقافي بين المدن والأرياف؛ يجب علينا البدء بقياس الإنتاج الثقافي والتنويري لهذه المراكز بالكيلو غرام مثلاً أو أي وحدة للقياس- تقول الإعلامية فرح يوسف وتتابع: حيث يتناسب وزن المراكز وقياس الكم لا النوع، فمع عدد مماثل من المراكز الثقافية مقارنةً والمساحة أو عدد السكان في سورية يجب أن نسأل أنفسنا: ما العلاقة اليوم بين الثقافة والشارع السوري؟. مدير المراكز الثقافية في سورية الأستاذ بسام ديوب يجيب عن كلام يوسف مبيناً: «المراكز الثقافية هي مزيج لحمل غير شرعي، فالابن الشرعي لوزارة التربية هو المدرسة، والابن الشرعي المفترض لوزارة الثقافة هو المركز الثقافي؛ لكن عدم شرعية هذا الابن الثقافي تعود إلى ازدواجية في آلية إدارة هذه المراكز الثقافية ومفهوم تابعيتها؛ ففي مفهوم التابعية المراكز الثقافية تتبع لوزارة الإدارة المحلية في جانب الصرف المالي، وتغطية مصاريف الأنشطة الثقافية تحدده الميزانية المرصودة من قبل وزارة الإدارة المحلية لهذه الأنشطة. 


ثقافة الشمينتو

نحن للأسف أمام مقرات إسمنتية- تعلّق الإعلامية فرح يوسف التي تشتغل في (إذاعة الخبر) مقرات من (الشمينتو) المسلح تم تفريغها بالأغلب من جدوى وجودها لأسباب عديدة يطول الحديث فيها، لكنها بأغلبيتها جاءت نتيجة عقليات القائمين عليها على مرِّ السنين (وينجو قلة قليلة من التصنيف السابق) وافتقادهم بمعظمهم للمؤهل الحقيقي الذي يسمح لهم بوضع استراتيجيات بنيوية تقتضي كحد أدنى التقييم المُنصف لما يمكن تقديمه داخل هذه الأبنية الباهتة؛ لذلك باتت السمة الغالبة هي الملل والتكرار وتكريس أسماء محاضرين وشعراء وأدباء و تكريس المحتوى المُقدم في محاضرات هذه المراكز، وتالياً تغييب من يمكن أن يشكل إضافة للحدث الثقافي.

مدير المراكز الثقافية يرد بالقول: 487 مركزاً ثقافياً في سورية ما فعاليتها؟ طبعاً لا أريد أن أظلم أحداً، قد أتوافق معكَ أن الأداء غير مرضٍ كما نريد كسوريين، لكن في ظرف الأزمة الراهنة أريد أن أقول: هذه الصروح الثقافية ليست لوزارة الثقافة، هذه الصروح هي ملك للمواطن أينما كان، وهو مثلما يستطيع أن يدخل إلى بيوت الله ويتعبد فهو يستطيع الدخول إلى بيوت الثقافة ويقول ما يريد. كلام يداخل عليه الشاعر نديم الوزة بالقول: لقد أنجزت الدولة السورية في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد بنية في كثير من المجالات الحيوية للمجتمع السوري؛ كان من أهمها لشاعر محدود الدخل مثلي المراكز الثقافية والمكتبات العامة؛ ولاسيما في بداية تكوّني الثقافي الأول؛ إذ شكّلت مكتبة الأسد الوطنية لي بدمشق منهلاً مجانياً للمعرفة بمجالاتها الأدبية والفكرية والعلمية كافة؛ لولا أنّ ذلك كان بدافعٍ ذاتي قد لا يدلّ على فاعلية هذه المراكز ودورها المعطّل بسبب البنية البشرية المتخلفة التي تديرها؛ و يكفي أن أعلمكَ أنني أصدرتُ عن وزارة الثقافة ثلاثة كتب شعرية و حتى الآن لم أتلّقَ دعوة واحدة لإحياء أمسية شعرية في أيِّ من مراكز سورية الثقافية؛ علماً بأنني تلقيت دعوات مماثلة من أكثر من بلد عربي و شاركتُ في بعضها!

تفتقد للمبادرة

يمكن أن نسحب ذلك على فاعلية هذه المراكز في جسر العلاقة بين المبدع و المتلقي و فشلها في ذلك طبعاً.. يضيف الوزة: وتحول هذه المراكز إلى ملحقات للأنشطة المدرسية غير الصفية بما يجعلها ملحقة بوزارة التربية أكثر منها مراكز ثقافية تؤدي دورها المنوط بها. كلام تؤيده فيه الإعلامية فرح يوسف: «معظم هذه المراكز خرجت تماماً من التصنيف كمراكز للاستقطاب؛ بل تحوّلت إلى مبانٍ للاستهلاك الثقافي واجترار المنتج المستهلك أساساً؛ و نراها اليوم تفتقد للمبادرة بتقديم أي منتج لافت أو احتضان أي جزئية استثنائية لتغدو أشبه بمنتديات يقضي فيها أدباء متقاعدون وأنصاف موهوبين أوقاتهم».

لكن كيف هي آلية العمل في المراكز الثقافية؟ مديرها الديوب مجيباً: «في ظل الأزمة كان لوزارة الثقافة وعبر الأُسرة الثقافية متمثلة في وزيرة الثقافة ولجنة تفعيل عمل المراكز الثقافية أداء جيد؛ وصار أفضل بكثير منذ حضرت الدكتورة لبانة مشوح التي اهتمت بتنشيط المراكز الثقافية؛ ولا أُداهن في ذلك حين أقول: إن السيدة الوزيرة اعتبرت المراكز الثقافية هي الأهم في عمل الوزارة؛ حيث بدأنا معاً بتفعيل عمل المراكز من خلال مديريات الوزارة في العاصمة والمحافظات وعبر الجهات والمؤسسات التابعة للوزارة من مؤسسة سينما ودار أوبرا ومديرية مسارح؛ فكان توجه وزارة الثقافة أنه يجب أن نُنجح المركز الثقافي بفعاليات مديريات الوزارة كاملةً؛ كيف يكون ذلك؟ - يتساءل مدير المراكز الثقافية في سورية ويجيب: بدأنا في اللقاء الأول بإيضاح أن هناك مشهداً غير مرضٍ للشارع الثقافي لجهة أداء هذه المراكز، وخاصةً أننا نلامس المواطن في همّهِ الثقافي؛ وقد لا يكون هذا الهم على قائمة أولويات هذا المواطن في ظل الإرهاب الذي تشهده الأرض السورية، لكن الحراك الثقافي مسألة مهمة جداً والكلمة قد تكون أحياناً أقوى من الرصاصة فيما لو كانت في مكانها، لذلك بدأنا العمل في المراكز الثقافية وعبر لجنة تفعيل عمل هذه المراكز كما يلي؛ فقلنا الأزمة وضعت أوزارها والمؤامرة لم نُستشر فيها، فها قد دُمّر المعمل والمستشفى والمدرسة ودُمّرت مراكزنا الثقافية بنسبة 60 بالمئة فما البديل؟ لقد أصبح أكثر من نصف مراكزنا الثقافية خارج الخدمة بسبب الاعتداءات الإرهابية، لكننا لم نقف عاجزين، إذ كانت مبادرة مهمة من وزارة الثقافة أن مدت يدها ببدائل ذكية، فذهبنا إلى وزارة التربية وقلنا إنه في منطقة معينة المركز الثقافي مدمّر؛ لكن المدرسة غير مدمّرة، وفي منطقة أخرى المدرسة مدمرة والمركز الثقافي في حالة جيدة، فكان أن أبرمنا نوعاً من التبادل الثقافي التربوي مع وزارة التربية، وقمنا باستغلال بعض أبنية المدارس لإشغالها بأنشطة ثقافية كانت المراكز تقوم بها قبل الأزمة، فقمنا بدورات خط عربي، وموسيقا في عدة مدارس، وهذه الخطوة تمت على مستوى كامل الجغرافيا السورية، فبعد إنهاء فترة الدوام الرسمي تم فتح أبواب المدارس لممارسة النشاط الثقافي، ما شجعنا لتعميم سياسة ثقافية واضحة تجاه الطفل السوري، كما تم تفعيل دور أكثر من مئتي مركز للثقافة الشعبية التي شرعت بإقامة دورات تدريبية في الخط والموسيقا (مدة كل دورة ثلاثة أشهر) يحصل بعدها الأطفال على شهادة موثّقة، كما أعفت السيدة وزيرة الثقافة أبناء الشهداء من دفع رسم الاشتراك في الدورات التي يخضعون لها في المدارس، وهكذا تغلّبت وزارة الثقافة على نقص البنى التحتية».

ثقافة في السجون والمشافي

المحامية سوسن عباس تسرد قصتها مع المراكز الثقافية: أحضر بعض الفعاليات بالمركز الثقافي؛ أما بالنسبة للكتب والاستعارة لا أستعير كتباً من المركز؛ إذ غالباً أحمّل الكتب عن طريق الانترنت؛ كان ممكناً أن أستعير كتباً لو كان المركز قريباً من مكان سكني؛ فلقد اتبعتُ دورات في المركز الثقافي سابقاً؛ لكنني وجدتُ أن هذه الدورات بطيئة والمدرّسين فيها ليسوا مؤهلين كما يجب؛ أما بالنسبة لتطوير المراكز فأرى أنه يجب رفدها بمديرين أفضل؛ على الأغلب ما يكون دور المدير سلبياً في استقطاب المحاضرين الجيدين والعمل على النهوض بالمجتمع ونشر الوعي والثقافة.

مدير المراكز الثقافية يرد على كلام عباس فيقول: «تم عبر اتفاقية وقّعها كل من وزيرة الثقافة ووزير الداخلية بجعل السجون مراكز استهداف للأنشطة الثقافية؛ وطبقنا ذلك في السجن المركزي في حماة أنموذجاً، وكان الترحيب كبيراً جداً من السيد محافظ حماة وقيادة الشرطة والفعاليات الأهلية ورئيس لجنة إصلاح السجون وقيادة الحزب والمواطنين بحماة؛ الشيء الجميل والمستغرب بالنسبة لنا أن السجناء أبدوا فرحةً أكبر من فرحتنا بمشروعنا إزاء نشر الثقافة في السجون، وتمت دراسة تخفيف العقوبة على السجناء الذين يتبعون دورات في الموسيقا والخط والرسم وفق الأصول الجنائية والقانونية لعقوبات كل سجين من هؤلاء يقوم باتباع دوراتنا في معاهد الثقافة الشعبية، وخرجنا من هناك منتصرين في نجاح هذه المبادرة التي لا يوجد مثلها في كل منطقة الشرق الأوسط، وتم إرسال كتاب من وزيرة الثقافة إلى السيد وزير الداخلية من أجل تعزيز وترميم مكتبات السجون بالتعاون مع الهيئة العامة السورية للكتاب، وكان نتيجة ذلك تعزيز مكتبة أكاديمية ضباط الشرطة في برزة ورفدها بإصدارات الهيئة. يتابع الأستاذ ديوب : «وجهت وزيرة الثقافة مع وزير الصحة كتاباً في مبادرة جديدة أخرى؛ فهي بصدد توقيع اتفاقية مع وزارة الصحة لتقديم الكتب للجرحى في المشافي وفق قائمة ينتقي منها ما يشاء حيث سيأتيه الكتاب كما يأتيه الطعام، والغرض من ذلك هو الذهاب نحو التجمعات البشرية، ولهذا كان التوجه للسجون والمشافي في خطة لجنة تفعيل المراكز الثقافية؛ وهي حالة حضارية تنشّط حالة العدوى الثقافية، فالثقافة تعدي كالأنفلونزا».

أعضاء مجلس الشعب كمحاضرين

وزيرة الثقافة توجهت أيضاً إلى السادة أعضاء مجلس الشعب لتحميلهم مسؤولية أخلاقية كي لا يتوقف المشهد الثقافي- يشرح بسام ديوب: «وجهنا كتباً للسادة أعضاء مجلس الشعب بمد يد العون للتدخل في الخطة الثقافية، ولا أخفيكَ هناك أعضاء من مجلس الشعب كانوا جزءاً من هذه الخطة للمشاركة في إعطاء محاضرات في المراكز الثقافية؛ كما نخطط لإيجاد خط ساخن للمثقف كي يتم تخديمه بكل الأنشطة وبرامج الفعاليات الثقافية في مراكزنا عبر وزارة الاتصالات، وهذا يُحسب للسيدة وزيرة الثقافة بكسرها للبيروقراطية بين وزارات الدولة؛ وإيجاد روح تعاونية بين الوزارات؛ وهناك الكثير من الاتفاقيات التي يتم الشغل عليها فوزيرة الثقافة وجهت لمسألة مهمة للاهتمام بالطفل السوري، والتراث السوري ولهذا وقعت وزيرة الثقافة اتفاقية مع وزارة العدل ليلقي المحامون والقضاة محاضرات في المراكز الثقافية..».

جمهور نائم

البون الشاسع بين المثقف والمراكز لا يزال السمة العامة في عمل المراكز والقصور والأوابد الثقافية؛ فالذين يديرون هذه المراكز في معظمهم كما يقول الإعلامي عهد علي-: موظفون يتقيدون بساعات الدوام الرسمية، وهناك تكرار واضح لأطقم من المحاضرين؛ ثم إن شكل المحاضرات جامد؛ ما يجعل الجمهور الذي يتكون بالأصل من أقرباء المحاضر وبعض الصحفيين وموظفي المركز ينامون في المحاضرة؛ أقسم إنني رأيت بأم العين كيف أن عدد المحاضرين في المراكز الثقافية أكثر من الجمهور الذي يحاضر فيه، وجميعنا يعرف أن هؤلاء المحاضرين يتم جلب معظمهم بداعي تنفيعهم ودفع أجور لهم لقاء محاضراتهم البائتة؛ ناهيك بموضوعات هؤلاء المحاضرين التي تبدو جامدة ومملة وغير جاذبة للجيل الجديد الذي يتوق في قسم كبير منه لخطاب ثقافي قادر على استقطابه».

المركز الثقافي صرح ثقافي, للمواطن حق فيه أكثر منا كمديرين، يجيب مدير المراكز الثقافية: «أنا لا أخلق الحالة الإبداعية؛ بل يجب على المواطن أن يفعّل هذه الصروح الثقافية، وهي مُلك للجميع ولا أحد يمنع مواطناً من المشاركة في تطوير عمل مراكزنا، فنحن لن نقول في المراكز الثقافية لدينا ألف حورية وحورية، فهذا جاذب للفكر التكفيري، أما في المركز الثقافي لدينا الشعر والزجل والغناء والموسيقا؛ ووزارة الثقافة نفذت مؤخراً احتفالية بيوم التراث السوري في 18 نيسان الماضي، وكان الإقبال منقطع النظير وتزامن ذلك مع يوم التراث العالمي؛ وكان هناك لقاء مع الزجالين والدبكات عبر مديرية التراث الشعبي وعروض أزياء شعبية؛ ثم إن وزارة الثقافة لم تقصّر بحق أي مثقف؛ تستطيع أن تزور حنا مينة وتسأله: أننا متواصلين معه ووزيرة الثقافة مهتمة شخصياً بهذا الموضوع وهناك تواصل مستمر مع الروائي الكبير، ومجموعة (شباب المحبة والسلام) التي أُشرف عليها قامت بالتعاون مع الوزارة بتكريم الشاعر الراحل سليمان العيسى في المستشفى.! كما طلبنا تكريم الشاعر أدونيس، لكن هناك تقصير، ونحاول تسليط الضوء على الكثيرين من مثقفينا». 
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق