13‏/05‏/2014

الإمارات: افتتحه زايد بن حمدان آل نهيان... «تعابير صامتة».. عبور بالألوان نحو الأمل في أبوظبي


جهاد هديب (أبوظبي):

برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك رئيسة الاتحاد النسائي العام الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة «أم الإمارات»، افتتح الشيخ زايد بن حمدان بن زايد آل نهيان، مساء أمس الأول، معرض «تعابير صامتة» في نسخته الثالثة الذي يقيمه «إيواء» لضحايا الاتجار بالبشر، بالتعاون مع مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون في صالة عرض «ذا سبيس» في «تو فور 54 » ويستمر المعرض حتى الخميس المقبل. 

وشهد الشيخ زايد بن حمدان آل نهيان في بداية افتتاح المعرض، عرض فيلم عن «إيواء» لضحايا الاتجار بالبشر، ثم قام بجولة في المعرض اطلع خلالها على الأعمال المشاركة في معرض «تعابير صامتة» التي بلغ عددها 76 عملاً فنياً أنجزته 17 امرأة من نزيلات «إيواء»، خلال ورشة أشرفت عليها الفنانة جنيفر سايمون واستمرت شهرين.

فرصة التعبير
 
وقالت علياء شهيل، مدير عام مراكز إيواء لضحايا الاتجار بالبشر في تصريح خاص لـ«الاتحاد»: «نحن في «إيواء» لا نحتضن هذا المعرض، بل إنه معرضنا، والرسومات التي يراها الناس هنا هي من إنتاج نزيلات مراكزنا؛ ورعايتنا لهن لا تقتصر على العناية بهن بأشكالها وأوجهها كافة، إنما نحن نتيح لهن فرصة التعبير عن أنفسهن كما يشأن بالرسم، وهذا التصوير الذي يتجسد الآن في ست وسبعين لوحة هي بدورها تعبر عن أفكار ورغبات ومشاعر وأحاسيس وأمنيات، وبالتالي توق شديد لحياة أفضل».
وأضافت: «من خلال متابعتنا لهذه التجربة مع النزيلات، وفي تجربة المعرضين السابقين أيضاً، لمسنا بشدة مقدرة الضحايا على تجاوز إشكالياتهن والآثار النفسية التي تركتها تجاربهن التي أوصلتهن إلى «إيواء» من خلال الرسومات».

وقالت علياء شهيل أيضاً: «إنهن يعبرن عن أنفسهن بفخر واعتزاز وهذا سبب سعادتهن، حالهن في ذلك حال أي إنسان عادي بكل ما لديه من طموحات ورغبات وأمنيات شخصية وتكوين نفسي سوي، بل هن يتقدمن خطوة إلى الأمام، إذ ينظرن بتفاؤل أكبر إلى المستقبل»، مضيفة: «نحن أيضاً في «إيواء» نشعر بالاعتزاز بهن، إذ أمكن لهن أن يتغلبن على ما واجهن من صعوبات فها هن يستأنفن حيواتهن بمزيد من الثقة دائماً، مثلما نأمل لهن، وبطرق عديدة، فيشاركن في أنشطة وبرامج المركز، ويتعلمن مهنة ما إن يعدن إلى بلادهن حتى يكون بإمكانهن مواجهة الحياة أيّا كان شكلها بالطريقة التي تجعل المجتمع ينظر إليهن باحترام لا بدونية أو تمييز».
وعن أكثر اللحظات حساسية من بين تلك اللحظات التي عايشتها علياء شهيل مع نزيلات المركز، قالت: «إنهم الأطفال. المتاجرة بالأطفال، خاصة عندما يكون ذلك من قبل أهاليهم، مؤلمة جداً، ربما هو شيء لا يدركه عقل أو خيال أو إحساس أبداً، وبالطبع لا يتعلق الأمر بعلاجهم هنا إنما بوجودهم في «إيواء»، إنه شيء من الصعب جداً أن يحتمله الإنسان، ولا أدري إن كان ذلك الشخص العابث الذي تسبب بهذا الألم للطفل يدرك تماماً ما يعانيه هؤلاء».

واختتمت علياء شهيل، مدير عام مراكز «إيواء» لضحايا الاتجار بالبشر في الدولة، بالقول: «إن توجهيات قيادتنا الرشيدة في دولة الإمارات العربية المتحدة بالتصدي لجريمة الاتجار بالبشر، ودعم أساليب وأشكال تمكين الضحايا لبدء حياة جديدة تنأى بهم عن الوقوع مرة أخرى في شراك المتاجرين، هي مدعاة للفخر في مواجهة أشكال عبودية القرن الحديثة والقضاء عليها، ويأتي هذا المعرض، بدوراته الثلاث، من ضمن برامج التمكين التي تنتهجها مراكز «إيواء» ضحايا الاتجار بالبشر بوصفها برنامجاً تأهيلياً لإعادة الطمأنينة والثقة بالنفس إلى قلوب الضحايا بهدف إعادة التوازن إلى شخصياتهم، لأننا نعلم مدى تأثير الفنون بأشكالها وأنواعها كافة على النفس البشرية، فهي عنصر فعال يلجأ إليه المختصون لعلاج الاضطرابات النفسية والكثير من العلل الأخرى التي تصيب الإنسان».

معرض إنساني

من جهتها، قالت الدكتورة نورة الكعبي، الرئيسة التنفيذية لمدينة أبوظبي الإعلامية «تو فور 54»: «هذا المعرض إنساني من الدرجة الأولى بالفعل، ومهمته ليست فنية فحسب، بل أيضاً إشاعة المزيد من الوعي تجاه هذه الجريمة التي باتت الآن قضية عالمية بامتياز».
وأضافت: «نشكر القيادة الحكيمة على توجيهاتها في هذا الشأن ولوعيها تجاه أمر يخص حقوق الإنسان بشكل مباشر، ونشكر سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك «أم الإمارات» لرعايتها الكريمة لهذا المعرض، والشيخ زايد بن حمدان بن زايد آل نهيان لحضوره وافتتاحه “تعابير صامتة”».

وقالت: «ما نراه يتحقق في هذا المعرض أن هناك علاجاً للضحايا عبر الفن، وهو أمر نادراً ما يحدث ويحقق الغاية الأساسية منه. أضف إلى ذلك أن ثمة أعمالاً إبداعية لجميع هؤلاء الضحايا وريعها سيذهب للمركز وضحايا الاتجار بالبشر أنفسهن».
واختتمت بالقول: «أتمنى، مثلما يتمنى الجميع، أن يعي مجتمعنا هذه النوعية من القضايا والإشكاليات التي تواجهها الدولة بسلوك إنساني ومتحضر، وهي قضايا تتصل باللحظة الراهنة لهذا العصر الذي نحيا فيه، فلقد تغيرت في العالم النظرة إلى قضية الاتجار بالبشر، فلم تعد تخص دولة بعينها، بل هي مشكلة عالمية الآن».

الأمل

من جانبها، أكدت ميثاء غانم المزروعي، مسؤولة التنسيق والمتابعة للمعرض، مديرة الاتصال المؤسسي في «إيواء» لضحايا الاتجار بالبشر: أن «هذا المعرض يختلف عن دورتيه السابقتين باختلاف الضحايا أنفسهن، وكذلك باختلاف الأزمة ذاتها مثلما بمستوى ثقافة الضحية وجنسيتها»، مضيفة «غير أن المعرض وبدءاً من عنوانه «تعابير صامتة»، هو بالفعل تعابير أمكن للنساء الضحايا من خلاله أن ينفسن عن ما يمور في دواخلهن من أحاسيس ومشاعر وأفكار تجاه ما مررن به من تجارب قاسية بكل ما الكلمة من معنى إنساني، وإذا كان هناك جامع مشترك بين هذه الرسومات، فيتمثل بذلك «الأمل» الذي يحدوهن في تجاوز كل منهن محنتها الخاصة».

الإمساك بالريشة

وعن تجربتها مع النساء أثناء ورشة العمل التي أشرفت عليها الفنانة جينيفر سايمون، أوضحت ميثاء المزروعي: «في البداية لم يكن مقتنعات بذلك، هن اللواتي لم يسبق لهن أن أمسكن بفرشاة أو تعاملن مع ألوان، ربما باستثناء تجاربهن في المدارس، لكن مع التكرار ومع إصرار ودأب جنيفر سايمون، أمكن لهن الإمساك بالريشة والتعامل مع اللون. بالتأكيد، كانت تجربة غير مسبوقة بالنسبة لهن، فكان تدريباً شاقاً إلى أن اقتنعن جميعاً بالفكرة».

وأضافت: «ثم بدأن الرسم، ورسمة إثر رسمة أخرى، وصل ما ينتجنه إلى مستوى يليق بأن يكون عملاً فنياً، ويشارك في معرض ويلفت انتباه الجمهور إليه. لكن، بالنسبة لنا في «إيواء» ليس أمراً أمام ما تركه إحساسهن بإنجازهن عملاً فنياً عبرن من خلاله عن رغباتهن ومشاعرهن وآمالهن في حياة أفضل، فقد كان أثر ذلك بادياً على وجوههن مثلما في كلامهن، سيأتين جميعاً إلى هنا وسيرين لوحاتهن وقد اشتراها معجبون بها من الجمهور، حيث نأمل أن يزيد ذلك من دفقة الأمل والثقة بالنفس لديهن»، مضيفة «لقد رفعت مقدرتهن على التعبير عن ذواتهن فأخرجن ما في دواخلهن، فبدون أمامنا أكثر ثقة بأنفسهن، بل أصبحن يتنافسن على تلك اللوحة التي هي الأجمل في المعرض، فحدا بنا هذا الأمر أن نعرض كل ما أنجزن من لوحات لثقتهن بأنه ما من لوحة سوف تعود إلى المركز بل ستباع جميعاً، فقررنا عرض هذا العدد من اللوحات من بين تسعين، لأجلهن، فهن الأهم بالنسبة لنا».

وتابعة ميثاء المزروعي «وبعيداً عن ذلك، فهي طريقة حلوة وناعمة ولطيفة، يتعرف من خلالها الناس والمجتمع إلى هذا النوع من القضايا، ويلفت الانتباه إلى ضرورة إعادة تأهيل وإعادة البسمة إليهن وإلى ذويهن، إذ أصبحن يمتلكن أدوات تمكين تجعلهن قادرات على مواجهة الحياة والصمود ضد الانزلاق في ما تعرضن له سابقا»، مؤكدة أنهن «يشعرن أن المعرض ملكهن .. نعم أنهن مفعمات بالأمل إلى هذا الحد، الأمر الذي يسعدنا جداً». يهدف المعرض، بشكل أساسي، إلى لفت الاهتمام بهذه الفئة من النساء اللواتي توجر بهن ولجأن إلى «إيواء» مدفوعات برغبتهن في حياة أخرى كريمة، مثلما يهدف إلى جمع التبرعات التي أمكن للمركز حتى الآن أن يرفعها إلى مائة وخمسة وأربعين ألف درهم، الأمر الذي جعله يفتتح مقرين له في رأس الخيمة والشارقة للنساء، وآخر للرجال في أبوظبي.
وكذلك يسعى المركز من خلال «تعابير صامتة» إلى رفع مستوى الوعي الاجتماعي بقضية الاتجار بالبشر في الدولة، ولفت الانتباه إلى التأثيرات السلبية التي يخلفها مثل هذا السلوك على مستوى العائلة والمجتمع. 

يشار إلى أن هناك الكثير من الطرق المرعبة التي جرى من خلالها «اختطاف نزيلات «إيواء»، ثم إجبارهن على القدوم إلى الدولة والعمل في البغاء أو السخرة، فيعمل أحد الأصدقاء أو الأقارب أو حتى أحد أفراد العائلة على إقناعهن بالرحيل إلى أرض الدولة سعياً وراء حياة أفضل، لتجد الواحدة منهن أنها قد انزلقت إلى دوامة أخرى لم تكن تتوقعها، الأمر الذي يتسبب بصدمة نفسية قاسية تجعلهن يقمن جداراً منيعاً بينهن والمجتمع، ما إن يستطعن الفرار من مصائرهن التي أعدت لهن سلفاً. وبات النظر إلى المراكز ذات الخدمات الإنسانية من طراز «إيواء» لضحايا الاتجار بالبشر في العالم الآن، أنه أمر يندرج في سياق المؤشرات على مستوى تحضر الدولة والمجتمع في آن، إذ يعترف بوجود هذه المشكلة ويبادر إلى حلها بوسائل متحضرة وراقية بالمعنى الإنساني للكلمة. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق