26‏/05‏/2014

الإمارات: يكرس جماليات الخط الكوفي في لوحاته... خالد الجلاف: فن الخط يشهد إقبالاً غير عادي

محمد وردي - (دبي):

في معرضه «ومضات»، المقام حالياً في دبي، ويستمر حتى العاشر من الشهر المقبل، في صالة «أجياد غاليري» بالمركز المالي العالمي بدبي، بدا واضحاً أن الفنان الخطاط خالد الجلاف يزاوج بين بلاغة القول وقوة المعنى، وبين خصوصيات فن الخط العربي لجهة المرونة والانسيابية، والانحناء، والتزوية، والاستقامات في الحروف، ما جعله يقدم 18 لوحة مطرزة بالدلالات والرموز، ومحملة بالمعاني الفنية والجمالية اللامتناهية. محيلاً ذلك إلى ما يسميه التأني والتعمق في اختيارات النصوص «موضوع اللوحة»، وإعادة قراءة التعددية الجمالية الخط الكوفي. 

ويفصح الجلاف أنه بهذه المرحلة هو «مفتون بشخصية وفكر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي (رعاه الله)، ومتابع جيد لفكره ومقولاته، وتوجيهاته التي جمعها في كتاب «ومضات من فكر»، حيث يقول في لقاء مع «الاتحاد»: «وجدت أن محتويات كتاب « ومضات من فكر» تتضمن الكثير من الحكم والعِبر، التي تكتنز بالبيان والبلاغة وقوة المعنى، وهي تلعب دوراً مهماً في إلهام الشباب والمجتمع عموماً، وتحفيزهم على الإبداع كل في مجاله أو ميدانه. فكانت الفكرة أن أختار بعض النصوص، وأقدمها بأسلوبي حتى تزين لوحاتي، ليستفيد منها الآخر، أو زائر المعرض، سواء كان من المتذوقين أو المقتنين. أيضاً هناك بعض القصائد الشعرية لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، التي تتضمن الكثير من المواقف الأخلاقية والإنسانية، وتنطوي على ما يستفز الفنان لملاقاتها جمالياً. كذلك هناك قصيدة للشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي، إضافة إلى بعض الحكم والأقوال العربية المأثورة التي أغوتني بجمالياتها الأدبية والفنية، وقوة معانيها ودلالاتها، المحفزة لمخيلة الفنان. وربما الجديد هذه المرة، هو التعبير بقوة الخط الكوفي من خلال التقليل من المؤثرات المحيطة بأحرف الكلمات القوية، خاصة حِدَّةُ الزوايا واستقامات الحروف، ما أضاف إلى قوة المعنى، قوة الشكل في المفهوم الجمالي». 

«الكوفي» والحداثة
وبخصوص إضافاته إلى ما يصفه، الخط الكوفي الحديث، وتعريفه لشكل التحديث أو توصيفه؟ يقول الفنان الجلاف، إن الحداثة تكمن باقتراب الخط الكوفي من البناء الهندسي الحديث المواكب للمعاصرة، من خلال الابتعاد عن الأشكال القديمة القائمة على تداخل الحرف، وأيضاً التحرر من بعض القواعد في الكوفي القديم، مثل القياسات المتناسقة للحروف المتوازية، فخرجت عنها بما يتناسب مع الشكل البنائي في اللوحة، حيث تم توظيف الحرف مع المعنى، كما هو الحال في لوحة «لا مستحيل مع الإصرار، ولا مستحيل مع الإيمان، ولا مستحيل مع الحياة». فاللام الف جعلتها حاضنة لقوة كلمة الإصرار والإيمان والحياة. وفي بعض اللوحات تقيدت بالأنواع الكوفية المتداولة قديماً، مثل الكوفي القرآني، والقيرواني والنيسابوري، ولكن قدمتها بأسلوبي الشخصي».
وللمزيد من التوضيح بشأن الإضافات الشخصية التي قدمها الجلاف للخط الكوفي، يؤكد أن أول إضافة، هي المحافظة على الخط الكوفي في ساحة الخط، من خلال الإصرار على تقديم اللوحة الخطية الكوفية في معارض الخط، سواء أكانت شخصية، أم جماعية. أما الإضافة الأخرى، فهي استخدام أنواع أخرى من الخطوط كادت تندثر، مثل النيسابوري، والخط الكوفي المصحفي القديم والخط الكوفي المشرقي، حيث تم تقديمها بأسلوب مواكب للعصر، مع إضافة معطيات العصر الحديث من لون وكتلة وفراغ للوحة الخطية، ما يجعلها قريبة من محبي فن الخط العربي ومتذوقي الفنون التشكيلية الأخرى. 

أيضاً من الأشياء التي يعتبرها إضافات بغاية الأهمية هي اختيارات النصوص، حيث يحاول في كل معرض أن يستند على ثيمة فنية متجانسة، وفي الآن ذاته، مختلفة عن المعارض السابقة. فأحياناً تتمحور الثيمة على النصوص القرآنية والدينية عموماً، وأحياناً أخرى على النصوص الأدبية، الشعرية والنثرية، والحكم والمواعظ المعروفة والمشهورة، وفي المرحلة الخامسة على الأقوال الناصعة والشائعة على ألسنة الناس« للقيادات الذين نعتز بهم، ونسترشد برؤاهم وأفكارهم». ما يساهم بتعزيز العلاقة بين فن الخط والفنون الأدبية الأخرى، مثل الشعر والنثر والحكمة والبلاغة والبيان، وكل ذلك يصب في إطار تعزيز الثقافة العربية عموماً. ومن الإضافات التي يعتبرها الجلاف في غاية الأهمية على المستوى الفني، هي المزج باللوحة بين الفسيفساء والزخرفة والخط، وذلك للتأكيد على حقيقة قابلية الخط الكوفي والعربي عموماً على التناغم بانسجام وتماه تام، مع الفنون الإسلامية الأخرى في المشهد التشكيلي.
نبرة متفائلة
وعن سر إصرار الفنانين وعموم المبدعين، على مواصلة مشوار العطاء الفني، أو الأدبي، رغم ما يلوح في أفق المنتديات، أو الملتقيات مما يثبط العزائم في بعض الأحيان، خصوصاً لجهة تدني الإقبال الشعبي على المنتج الفني بكل مستوياته. يقول الجلاف: « أنا أتحدث عن الإمارات والوطن العربي بنبرة متفائلة، ولا مكان لدي للتشاؤم، ودلالاتي كثيرة ليس أقلها الإقبال المتزايد على ممارسة هذا الفن». ويعود بالذاكرة إلى بداياته مع رحلة فن الخط، فيقول: «كنا في ذلك الوقت نُعد على أصابع الكف الواحدة دون أن تكتمل، أما مع بداية تأسيس جمعية الإمارات لفن الخط العربي، فكان هناك أكثر من خمسين فناناً، 75 بالمائة منهم من الشباب، أوليس ذلك كافياً للإقرار أن هذا الفن أخذ يحفر علاماته في وعي الشباب؟».

ويضيف الجلاف بأنه يمكن الاستدلال على ذلك أيضاً من كثرة الطلبات التي تقدم من الشباب، مطالبين بتنظيم ورش إبداعية لتعليمهم فن الخط. «ولكن ليس بالمقدور الاستجابة لهذه المطالب لسببين: أولاً، قلة عدد المدرسين، والثاني عدم وجود أماكن مخصصة لهذا الأمر، إذا ما استثنينا الشارقة». ومن الدلالات الناصعة على صحة ما يعتقد، يشير الجلاف إلى عدد الشباب الكبير الذين يشاركون في معارض فن الخط، التي تقام في الإمارات، حيث يفد إليها الشباب من مختلف البلدان العربية، وبأعداد متزايدة وملحوظة للمتابعين. كذلك يؤكد أنه عندما يسافر بأعماله الى الخارج، يجد أن الإقبال غير عادي، وبشكل خاص من فئة الشباب، سواء في الشرق الآسيوي، أو الغرب الأوروبي، ويطالبون بمحاضرات وندوات لمعرفة هذا الفن النبيل عن كثب، وعلى لسان أهله، رغم أنه فن معروف لديهم، ولديهم العديد من المتخصصين بدراساته، إلا أنهم يتوقون للاطلاع عليه من خلال أهله - حسب تعبيرهم-. لأن اللوحة الخطية متكاملة العناصر الفنية، ما يجعل الآخر يتذوقها من دون معرفة النص، وهذه دلالة على ما يتمتع به هذا الخط من انفتاح على الجمال والمعنى في آن واحد».

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق