29‏/04‏/2014

هيثم الناهي: نحو سدّ الفراغ في المكتبة العربية

1- تتّبع المنظمة العربية للترجمة في اختيار الكتب صيغة لربما تتفرد بها عن غيرها من المؤسسات المهتمة بالترجمة. فلها لجان عدة متخصصة لاختيار الكتب ولكل لجنة أعضاؤها الذين ينتخبون بناء على شروط معينة، أوّلها أن يكون ملماً بالاختصاص وثانيها ملماً بلغة أجنبية إلى جانب العربية نحواً وصرفاً وسياقاً وصياغة. أما ثالثها وهو الأهم فأن يكون متابعاً للإصدارات العالمية في هذا الاختصاص وسبق له أن كتب أو ألّف بالعربية واللغة الأخرى التي يتقنها مراراً.

وعندما يتم اختيار الكتب تُحال على اللجنة التنفيذية للاطلاع عليها وإقرارها كي تبدأ عملية منتَجة الكتاب. وفي هذا الصدد، نودُّ أن نبيّن أن اللجنة التي تختار الكتب المعرفية هي منفصلة تماماً عن لجنة علوم الفلسفة وكلتاهما منفصلة عن لجنة اختيار كتب المعاجم والمصطلحات، وهكذا دواليك لبقية الكتب التي نشرت المنظمة العربية منها في ما يقارب 37 مجالاً مختلفاً.

أما مبدأ القراءة وذائقة القرّاء وهمومهم وما يتوقون لاقتنائه فإن اللجان واللجنة التنفيذية التي تصادق على تلك الكتب تأخذ في الاعتبار عناصر أهمها؛ سدّ فراغ ما لا تحتويه المكتبة العربية في اختصاص ما وخصوصاً تلك الكتب التي تهمّ الباحث والطالب وحتى غير المتخصص. فعلى سبيل المثل هناك فراغ كبير في كتب علم النفس في المكتبة العربية وهو ما دعا إلى ترجمة كتاب «الشخصية» الذي يُعدّ كتاباً دراسياً وثقافياً وعلمياً مهماً في الجامعات الغربية لكونه يحدد ولادة علم النفس ومداخله وسبل تدريسه والمناهج المعتمدة طبياً واجتماعياً وبيولوجياً. وتتّضح أهمية هذا الكتاب بمبيعاته العالية في الدول الغربية على رغم أنّ سعره يتجاوز 143 يورو، إلا أن المنظمة حرصاً منها على إفادة الباحث والطالب العربي والمثقف ترجمت الكتاب وراجعته وأصدرته بثمن بخس لا يتجاوز اﻠ 42 دولاراً على رغم تكلفته العالية.

أما في خصوص ردود فعل القرّاء إزاء الكتب المترجمة فإننا نتابع ذلك من خلال الموقع الإلكتروني الخاص بالمنظمة العربية للترجمة ومن خلال المعارض وروّادها ووجدنا أن هناك إقبالاً شديداً على الكتب العلمية البحتة وكتب علم الاجتماع وكتب الإعلام دون غيرها من الكتب، إذا ما حصرنا الكتب الأكثر مبيعاً وفق مجالاتها.

2- صحيح أن الترجمة في العالم العربي تعاني مشكلات عدة، كضعفها وركاكة الأخطاء النحوية والمطبعية، وهذا يعود لأمرين أساسيين: الأمر الأول ولوج بعض المتطفلين على الترجمة إلى هذا الفن باستخدامهم القواميس الإلكترونية والأدوات الإلكترونية لترجمة الكتاب من دون فهم نصه الأساس أو علم به، حتى إن بعض المترجمين لا يفهم كيف يشرح أو يعبّر عن كلمة ليطّلع القارىء على أساسياتها فتجده خالياً من أي هامش تفسيري. ويبدو أن سبب هذه المشكلة يعود إلى إقبال العديد من المؤسسات العربية التابعة للدولة على رصد مبالغ ترجمة وجعلها مادة تجارية من دون وضع أسس وأدوات لإنجاحها جاعلة منها سوقاً لا يحمل في طياته من الترجمة إلا عنوان الكتاب ولفظة ترجمة فلان. أما الأمر الثاني الذي يجعل الترجمة بهذا الضعف وهذه الركاكة فهو أن هناك كماً كبيراً من دور النشر والمؤسسات يديرها أناس أميّون لا يفهمون ولا يفقهون الثقافة وهمّهم الأوحد هو الكسب المادي، وقد تساعد العلاقات ما بين هؤلاء وبعض مسؤولي دولة ما مولعة بالترجمة تسهيل تسيير كتب ترجمة لتلك المؤسسة فتُسند تلك الكتب القيّمة إلى مترجمين ضمن المبدأ التجاري الكسبي فتظهر بتلك الحلة الضعيفة البائسة التي لا من مراقب ومحاسب لها.

أما المنظمة العربية للترجمة ومنذ تأسيسها فقد انتهجت نهجاً باختيارها مترجمين ضمن صيغة معينة أهمها إجادة المترجم للاختصاص وللغة الأصل وللغة الهدف واستخدام تقنيات طباعية معينة، علاوةً على ضرورة تراكم المصطلحات وتهميش المصطلح أو تفسيره غير الواضح والمتواتر لتجعل من عملها هذا هدفاً لإيجاد جودة ترجمة. فضلاً عن مرور الترجمة بعملية معقدة تبدأ بمراجعة النص بعد إنجاز المترجم ترجمته وتوثيقه وفهرسته وتحريره لغوياً، وتُعاد هذه العملية قبل إرسال الكتاب إلى المطبعة لربما ثلاث إلى اربع مرات، ما يجعل كتاب المنظمة مكلفاً لكنه يجعلنا متيقّنين من جودته في الترجمة وفي الصياغة اللغوية مقارنةً بما هو موجود في الساحة الكتُبية.

3- نحن لا نعتمد الترجمة من لغة وسيطة بل لغة الأصل الخاصة بالكتاب الذي أُلِّف بلغة معينة وترجم إلى لغات أخرى، فلذا تجدون في المنظمة كتباً قد ترجمت عن اللغة اللاتينية واللغة اليونانية والسريانية القديمة، وهي بهذا الأمر تعتبر أن في الترجمة سلطة أخلاقية لا بد أن نتمتع بها، إذ إن الخطأ في الترجمة سوف يهدر أمّة إذ ما تراكم الفهم المعرفي على ما ترجمناه خطأً. فلذا في كل الحالات نعتمد مراجعة النص المترجم مقارنةً بالأصل كي نتوخّى الدقة ونوصل المعلومة وفق ما كتبها المؤلف ووفق ما نؤمن به من ضرورة الحفاظ على السلطة الأخلاقية في الترجمة.

4- المنظمة العربية للترجمة لديها إشكالات كثيرة مع الكثير من المترجمين ما يجعلها تعيد نصوصاً كثيرةً إلى المترجمين بغرض إعادة ترجمتها متوخّيةً الحذر من عدم تغيير أي نص بما يتلاءم مع ما يؤمن به المترجم أو المجتمع. ونعطي المترجم حق تبرير ذلك ودحضه ومناقشته في مقدمة المترجم. ويبدو ذلك واضحاً من الكتب التي أصدرتها المنظمة العربية للترجمة والتي قد لا تتوافق مع آرائها، إلا أن كون النص قد ورد على لسان المؤلف فلا يحق لنا إبداله أو تعديله أو حذفه أو إغفاله. وفي حال عدم توافق ذلك النص مع ما يؤمن به المجتمع أو ربّما يسبب إشكالية تتعلق بمسألة أخلاقية أو عرقية أو دينية فهي ترى أن إغفال ترجمة الكتاب يكون أفضل من أن يعدّل أو يكتب بطريقة ما. ولم تحدث هذه المسألة - على قدر معرفتنا - أي مرة في المنظمة العربية للترجمة لأن لجان اختيار الكتب تتوخّى الحذر في اختياراتها وتراجع اختياراتها اللجنة التنفيذية استبعاداً للإشكالات لأن هدف المنظمة العربية للترجمة هو إغناء الثقافة والفكر والعلوم في المكتبة العربية لا إثارة المشاكل والثغرات التي لا تتحمّلها الأمة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق