30‏/04‏/2014

الأردن: حكاية صورة - الطريق للسماء!

صورة 

كتب - جهاد جبارة

يا شجرة الملّولْ العتيقة اطلّي علينا من نافذة الطين المشرّعة ابدا، لنلقي منها عليك تحيتين، واحدة صباحية والثانية مسائية، وما بينهما ننقش على صدر الجدار الذي سكنته اسماءنا، نحن الفتية الصغار المولعين بالمدى البعيد الذي تطلّين عليه.
سوف لا ننسى ايضاً يا نافذة الطين ان نسجّل على جدار الصمت الذي سكنته بعض الذكريات، والقليل من الحكايات، ونكتب حروف ادعية الرحمة لنرسلها عبر مكوثك الطويل لروح جدّنا الذي اطبق جفنيه تعباً اسفل تلك الملّولة، ونام موتاً جميلاً دون ان ينسي ترك ابتسامة الرضى على شفتيه اللتين غطاهما شيب شاربه ولحيته.
يا نافذة الطين، ذلك جدّنا، هل تذكريه؟ عندما كان صوته عبركِ ينادينا من بعيد في مربعينيات الشتاء عندما تنهض الرياح العاتية من سُباتها «يا اولاد اشعلوا حطب الموقد».
جدنا، يا نافذة الطين، اتذكريه؟ حين كان يشق لنا درباً نسلكها عبر مساحة الثلج الممتدة الى ما لا نهاية ذات «كوانين» مضت في رحيل طويل، طال امدُه؟ جدنا الذي كانت تنحني له كل القمم، والسفوح المحيطة، وما انحنت قامته، عيناه الحانيتان كانتا من ضوء نجمين لا معين في عتمة ليالي الربيع، وشيبه الفضي كان مخطوفاً من قضة ماء ذلك الجدول الذي ينساب يهمس بحكاية الزمن الجميل.
وتلك الحمامة البيضاء المطوّقة بطوق، لونه كان مسروقاً من لون تراب الحقول الضارب للبني المُحْمَرْ، اتذكرينها يا نافذة الطين؟ حين عبرت مرات، ومرات غير وجلة من فروة جدنا، ونار جدنا، وعكاز جدنا، ذلك الذي كان يركنه الى ذات الجدار الذي تسكنيه، اتذكرينها؟
وتلك الغيمة التي كانت تمر بك اواسط كل ايلول، فتقف عند ذلك الجدار الذي تسكنين، فترشه بزذاذها، فيُطلق صيحة عطر الطين، والتُبنْ الذي خالطه مُرحّباً بزيارة غيمة الخريف التي كانت تُنذر باقتراب الشتاء، فيبتسم جدنا وتمتد اصابعه نحو شعر لحيته ليمسك بها صعودا، وهبوطاً مرددا «الحمد والشكر لله الذي افتقدنا بكرمه»..
اتذكريها يا نافذة الطين؟
تلك الانوف التي كانت تؤم اطراف فضائل حين ايابي واشقائي من المدرسة البعيدة، بقصد التقاط رائحة الوجبة التي كانت تعدها امي على نار الحطب في ذلك القِدر النحاسي الذي حمل اسم جدنا منقوشاً بحروف عميقة على جسد القِدْر، اتذكري امي يا نافذة الطين ايضاً؟
امي، يا نافذة الطين التي كانت تقف كل صباح عطلة مدرسية عند الجدار الذي تسكنيه وتُطل علينا برأسها عبر فضاءك مُنادية «الفطور يا اولاد» فنهرع نحن الجوعى عيوننا لالتهام طبق القش المُزدان بألوان الريع وقد علته اطباق كالبيض المشويّ على جمر ورماد الطابون بعد ان صبغته امي بأوراق الدحنون الاحمر، وطبق الزعتر البري المخلوط بحبات السُمسُم، وقشور السُمّاق الحمراء الداكنة، وطبق الزيت النازف من اجساد حبّات الزيتون التي قطفناها ذات موسم ضحكت لنا به الارض بكرمها، اما رائحة اوراق «الميرمية» الخضراء فقد عبّأت الاجواء بعد ان امتزجت مع ماء الشاي الاسود داخل ابريق «الالمنيوم» العتيق الذي علاه «سناج» ادخنة حطب اشجار السنديان، والسرو بينما صَمْغُ الشجر كان يذوب على ذات الجمر كذوبان الذهب في بوتقة صائغ الذهب، اتذكري تلك الصباحات، يا نافذة الطين؟ كبرُنا، وهرمنا، يا نافذة الطين، جدنا حمل عكازه، ورضاه وغاب في رحلة الموت، تماما كالذين سبقوه، رحل الى السماء كما قالت امي زمان، حين كنا لم نزل صغاراً، وحين سألناها كيف الى السماء ونحن قد شاهدناه بحفرة عميقة في ارض الحقل هناك.؟
ان الطريق للسماء تبدأ من الارض لمن حرسها، واحبّها، وفلحها، وغرسها بأشجار لتبني عليها طيور الله اعشاشها، ولمن كانت موطئاً لجبهته في كل سجود لصلاة، قالت امي ذلك، ثم اغمضت عينيها وماتت، اجل ماتت وهي تبتسم لأننا شُغلنا باعداد الحفرة التي ستقودها للسماء، فلطالما شاهدنا تراب الارض يُزيّن جبهتها، ولطالما اشفقنا على يديها النازفتين جراء قيامها بتخليص الارض من تلك الحشائش الضارة، ولطالما سقت، واطعمت الحراثين، والحصادين، واطعمت جدنا!

jihadjbara@yahoo.com
الأربعاء 2014-04-30
 
 
 
 
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق