08‏/10‏/2013

سوريا: هنا.. دمشق: وثيقة بصرية بكثير من الشغف والحرفية العالية لقناة الميادين

مرّت الحياة الدمشقية برمزيّتها وعفويتها كرفوف من يمام ضوء مقيم في عناوينه الخالدة منذ سبعة آلاف عام، أمام عدسة المخرج العربي فراس موفق محادين، وهو ينتقل بكاميراه الوجدانية والميكانيكية، ليوثّق، بكثير من الشغف والحرفية العالية، مشاغل الدمشقيين برمزيتهم أيضاً، وهم يتنقلون بين ضفاف الأيام السابحة بصخبها وعنفها الطارئين، وألفتها الغريبة، مرتقية أنفاسهم ونظراتهم المبللة بالحزن، لينتخبوا الحياة السورية التي يحفظونها عن ظهر قلب بأغلفة أرواحهم، من بدء التكوين حتى اللحظة الراهنة بقسوتها وألمها، لتكون رسالتهم ورسولهم إلى العالمين.
«هنا.. دمشق».. الاسم الحي للفيلم الوثائقي الذي أخرجه محادين، وبثّته قناة الميادين الفضائية، جاء كترجيع صدى هادئ للصوت السوري الخالد، الذي يتردد بين الحارات الدمشقية وأحيائها العريقة، على ألسنة أهلها بمختلف أعمارهم، واختلاف أفكارهم ورؤاهم، للراهن السوري، طبيعته، معناه، وجعه، فرحه الخجول.

حمل من أرض الحرف والضوء حكايا ملونة، الأسود الداكن ليس المفضل فيها، رغم حضوره على هيئة حسرات حقيقية، تنزّ من كلام صادق وعفوي لعجوز ترتجف يداه من ضروب الدهر، ويهدر صوته كبردى رخماً وعذباً وهادئاً في شهر أيلول، خريف بخريف، وربيع بربيع حقيقي، وصيف بصيف، أمّا الشتاء، فلما يتدلى بعد من سماء دمشق وقناطرها، ولم تحمل غيومه القادمة إلا نوايا الخير للسوريين جميعاً.

هكذا تجادلت الصورة والكلمة في «هنا.. دمشق»، هكذا أخرجت النفوس المُحِبة أثقال قلوبها، لتهدأ وتبتسم خواطرنا، ونحن نرى صورنا الأليفة تمرّ بهدوء أمامنا وأمام العالم أجمع على «الميادين» القناة المنتجة للفيلم، بعد أن شاهدنا مسوخاً قيل إنّها نحن في أفلام بثتها قنوات الدم، أفلام لا تحمل من التوثيق إلا شبهة اسمه. 

لم تتلطّ الكاميرا هذه المرة في الزوايا المعتمة، كما حدث ويحدث في مئات الأفلام التي صُوّرت عن السوريين وأحوالهم، بعد ما يقارب الثلاث سنوات من عمر الأزمة السورية، لم تتخذ من أوجاع الناس وأمنياتهم البسيطة مادتها الدسمة لتهيّج الرأي العام المسلوب الإرادة، بعد أن تقحم على ما تعود به أشعتها من صور مواربة، مشاهد مكتظة بالدم والعنف والقسوة الباذخة، لم تسرق ضحكات الأطفال، وتحجب نور الشمس المبين، لم تحرم الرجال والنساء من كلمة الحق التي يريدون أن ينطقوا بها بصوت جهير، حول ما يحدث في بلدهم وفوق الأرض التي عاشوا عليها طويلاً، وخبروا بين أيامها بحق، كيف يؤلف الهواء والماء والخبز بين قلوبهم، ويلم أطراف ذات البين، ليكلأ أعشاب التجافي لحظة تجذب أشعة شمس مارقة يخضورها لتنمو، بل ذهبت بمهنية مشغولة بهمّ التوثيق الحقيقي، كما ينبغي للفيلم الوثائقي أن يفعل، لترصد أمزجة الناس والأمكنة، وتنقل بواقعية شفيفة ما تعود به من قطاف الضوء، وهذا ما رأيناه في «هنا.. دمشق»، عندما اختار صاحب فيلم «ثورة 30 يونيو» أن لا يتدخّل إلا برؤيته الفنية والفكرية في مجريات فيلم «هنا.. دمشق»، تاركاً للناس والأمكنة أن يرووا ويسردوا تفاصيل حكاياتهم وحكاية بلدهم، حيث عرض الفيلم العديد من مفاصل الحياة الدمشقية بمناحيها المختلفة. 

جالت كاميراه في الشام القديمة، استمعت إلى الشعر السوري في إحدى أماسيه الخريفية، دخلت أروقة المعهد العالي للموسيقا، وانصتت بعمق لأغاني فيروز، وما تحمله من قيمة عاطفية مدهشة متجددة، صدحت حنجرة أحد الشباب بأغنية «موطني»، وردّد قاسيون وساحة الأمويين الصدى، لعبت مع الأطفال في ساحات فرحهم الباقية، الأطفال حملوا هنا ألعابهم وضحكاتهم كما يحقّ للأطفال، وليس البنادق وألعاب الموت وأدعيته المقيتة، الأطفال ارتدوا ثياب الطفولة المزركشة، لا الأكفان المنتقاة من والت ديزني آل سعود، وإمارات الحقد الأسود، لم يشتغل المونتاج كمكياج جاهز للقتامة التي اعتدناها في محطات سفك الدم السوري، بل صدح صوت المخرج السوري ريمون بطرس، على هواه، وهو يحكي بانفعال وجداني صادق، كيف يزيّف المارقون حتى الحب، عندما قال صاحب «الترحال»: «كلّ حبة من تراب الشام مقدسة، مو حبة هيك وحبة هيك، هي الشام، وهادا قاسيون مصعد الأنبياء للسما، بدكم تدمروهن!! لعنة الله عليكم».

أطلت الكاميرا على الأماكن المهدمة بفعل الحرب وأوزارها، زارت مخيم فلسطين بعد أن خرّبه حفدة ابليس، ونقلت رواية شاب فلسطيني، ولد في سورية وتربى بين أولادها واحداً منهم، حكى هذا الشاب كيف ترعرع وتعلم في المدارس السورية وجامعاتها، روى بحزن حقيقة ما جرى في هذا الحي السوري، الذي يحمل اسم فلسطين وأحلام حق العودة إليها، ترافق كلامه مع صور مؤلمة للمكان الذي تحوّل من خيام للشتات بعد نكسة الـ67 إلى مركز لحياة أغلب الفلسطينين في سورية، بأشغالهم وأحوالهم اليومية، مركزاً انطلقت منه أشعة فكرية للعديد من المثقفين الفلسطينين مثلما انطلق منه، أيضاً، العديد من حركات المقاومة الفلسطينية، التي تشكّلت نواتها العسكرية بين أزقته، وبدعم مادي ومعنوي من الحكومة السورية. تنقلت الكاميرا بين ما يحمله كلام هذا الشاب بإيحاءاته من صور الخراب التي حلّت في المكان وبين لقطات قريبة إلى البيوت المهدمة والشوارع الفارغة، بعد أن عبقت الحياة بأرجائها لسنين طويلة.

طار حمام الأموي في سماء دمشق، جلست الكاميرا في مقهى النوفرة تصغي لصبية، لاتزال غير مصدّقة ما يحلّ ببلدها الامين، شربت الشاي على خيالات رواد المقهى الذين لم ينقطعوا عن زيارته، الحكواتي لم يحضر بزيه التقليدي «طربوش وعباءة مقصبة»، لأنه حضر بأوجه العديد من السوريين وبكلامهم، بذكرياتهم وحاضرهم، بالموسيقا الخافتة لبعض المسلسات الكرتونية، التي استعادها أحد الشباب وهو يسرد، بحسرة، كيف انتهت علاقته بصديق عمره، لأنه لم يوافقه على حقيقة ما يجري ببلده التي يعرف ويدرك.

جملة قالها شاب يعمل في مهنة التصوير الفوتوغرافي، علقت في بالي طويلاً، عندما روى كيف كان يشم رائحة الدفء المنبعث من بيوت الدمشقيين ومن طبيعتهم المحبة للحياة والفرح.

«هنا.. دمشق» فيلم وثائقي يسرد الحقيقة السورية، بوجعهها وذكريات فرحها، كما هي، بينما الموسيقا التصويرية كانت تلون الصور النابضة بالحياة، بألوان من لحم ودم، ألوان خضراء وحمراء وسوداء، استحالت علماً يرف بنجمتيه فوق أنظارنا، بريقه يخطف الأسماع أيضاً.

تمام علي بركات
بلدنا السورية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق