08‏/10‏/2013

سوريا: الروح السورية في معرض الفنان انور الرحبي


اللاذقية-سانا:

على جدران مقهى هيشون الثقافي في اللاذقية تتألق حاليا أعمال الفنان انور الرحبي التي تحكي عبر خطوطها والوانها تاريخ سورية وتراثها الحضاري الثري دون كثير ابتعاد عن الجغرافيا الآسرة التي تؤطر هذه الاعمال الحكائية على المستويين البصري والفكري مستوحيا كل ما يمت بصلة إلى الايقونات السورية بناسها وحجرها وأرضها المعطاءة حتى حدود البذل والسخاء. 

وفي حديث خاص لـ سانا أوضح الفنان الرحبي وهو المبدع القادم من دمشق أنه جاء الى اللاذقية لينقل عبر اعماله المختلفة جزءا من المشاعر الجميلة التي يحملها كل سوري لأبناء بلده على امتداد هذه الجغرافية الساحرة فالسوريون الذين طالما انتموا إلى الكلمة والسطر والقلم يعملون اليوم على سرد حكاية بلدهم بعظمتها وقوتها وقيمها وحضارتها الآبدة فكل منهم هو مواطن حقيقي يمتلك ايمانا متأصلا بانتمائه الى هذا الجسد الرائع بكل تضاريسه وفسيفسائه الجميلة. 

20131008-063211.jpg
وقال.. أنا انتمي الى كل تفصيل صغير في الوطن والى كل ما يعمق من خطاب الحب وافعاله فيه بما في ذلك هذا التلاقي الفني الذي يجري اليوم في المعرض ويبرهن على حب السوريين لبعضهم ولبلدهم الجريح لأننا بذلك نخاطب العالم اجمع لنقول له اننا موجودون ولن نغادر مهما حدث بل سيعمل كل منا في موقعه بكل طاقاته لأن سورية الرائعة هذه أشبه بتلك الشجرة الجميلة التي طالما احتضنتنا في أفيائها فكيف لنا ألا نفكر بها اليوم.
واشار الرحبي إلى أن لوحاته هي مقامات للجسد والروح والوجه وكذلك للإنسان والعدالة والتقاليد وكل هذه المفاهيم يجسدها انتماء المثقفين للوطن وولاوءهم وعشقهم الازلي له والذي يتوجب ان يبرهنوا عليه اليوم من خلال تواصلهم مع بعضهم فعلى المبدعين من ادباء ومفكرين وفنانين ان يغطوا شوارع سورية بكل طريقة وسبيل ليؤكدوا حضورهم في هذه الشدة التي يمر بها البلد. 

وقال.. إن لوحاتي هي قراءات وتلخيص لشواهد مكانية تربيت عليها في يوم من الأيام وهي ايضا قراءات ذاتية لمناخات تقليدية عشت فيها سابقا واعود اليها الآن عبر هذه الاعمال فإذا ما عدت إلى الوراء فإنني أذكر المزار الذي كانت أمي تصطحبني اليه صغيرا لتوزع الخبز في وقت الأعياد وأذكر الأعراس والعباية السوداء والشال وكل ما يتصل بثقافتنا الثرية.
على المستوى الفني بين الرحبي انه يتعامل مع اللون من خلال ثقافته البصرية وانتمائه لكل ما ذكره سالفا من مفردات روحية ربطته بالوطن فعندما أتى كما يقول من مسقط رأسه دير الزور إلى دمشق اتسعت علبة الوانه فلم تعد عبارة عن اثني عشر لونا انما صارت 105 من الالوان نظرا لغنى المشهد البصري من حوله وان كان اللون الازرق هو أكثر ما يهيمن على لوحاته لأنه ينتمي إلى منظومة فنية تعرف بالكوبالت الموجود في جميع ما يتصل بثقافتنا الاسلامية لأنه الأزرق الذي نزين فيه قلوب المساجد والكثير من كلمات القرآن. 

20131008-063334.jpg
من ناحيته لفت فريد رسلان رئيس اتحاد الفنانين التشكيليين في اللاذقية ان الفنان الرحبي من رواد الحركة التشكيلية في سورية عموما حيث تتسم اعماله الفنية بقدر عال من الخصوصية في المشهد المحلي والعربي لانها تعكس خبرة واسعة ورؤية فنية مبدعة تستقي مفرداتها من بيئته المحلية ومن تجربته الاجتماعية والإنسانية على امتداد عقود من الزمن بحيث تجسدت ملامح هذه السيرة العريقة والنضج الفني الكبير في كل خطوطه والوانه وتكويناته.
أما الفنان احمد خليل فقال.. إن ما قام به الفنان الرحبي عبر نقل لوحاته لإقامة معرضه في اللاذقية خلال الظروف الحالية هو خطوة شجاعة وايجابية جدا لما تنطوي عليه من ارادة وتصميم على مواصلة حراكه الثقافي وهي روح يجب ان يتحلى بها كل فنان سوري ليدفع بالمسيرة الثقافية والفنية إلى الأمام في هذه المرحلة بالذات. 

وبين خليل ان ما يميز لوحات الرحبي من الناحية التقنية هو اعتماده على تعدد السطوح اللونية للأزرق والبنفسجي بالإضافة إلى عمله على تصوير الفلكلور الفراتي الجميل والغني ونقله عبر هذه الاعمال المتميزة من منبته إلى دمشق والعالم وتقديمه إلى الجمهور العريض بصورة يحافظ فيها على جماليته وحداثته في آن معاً.
وقال الفنان التشكيلي بسام ناصر.. يعتبر هذا المعرض من المعارض المهمة جدا التي احتضنتها محافظة اللاذقية في هذه الظروف لما فيه من دلالات النشاط الفني الكبير الذي يسم المشهد المحلي عموما والمشهد الفني في اللاذقية على وجه الخصوص حيث تحولت محافظة اللاذقية مؤخرا إلى مركز لاستقطاب الفنانين من مختلف المحافظات السورية.
وأشار إلى أن أعمال الفنان متعددة القياسات والاحجام تتمتع بالعديد من السمات الفنية الخاصة فهي غنية باللون والشكل من ناحية وتتوزع الأشكال فيها على صورة قطع تجعلها اشبه بموسيقا تتخلل المساحات اللونية فتنظم الاشكال فيها عبر صيغ جمالية متميزة تؤسس لطابع فريد وخاص بالفنان الرحبي دون سواه. 

كذلك رأى النحات حسن حلبي أن أعمال الرحبي تمتلك ايقاعا سريعا يمثل انعكاسا للواقع الذي نعيشه ونراه بكل ما فيه من معاناة تدمي الوطن وهذا الإيقاع السريع يستوقف المتلقي في كل مساحة لونية صغيرة مكرسا لحوار بصري بين القطعة الفنية والمتفرج فإذ بالاعمال تقدم اختزالات لكل مدينة ولكل انسان موجود في هذا الوطن عبر توظيف فني موفق إلى درجة بعيدة.
وقال.. أكثر مالفت نظري أيضا تلك المساحات الصغيرة جدا التي تشكل الأسرة ضمن المجتمع الذي يعيش في حالة من الفوضى والقلق وعدم الاستقرار داخل البيت والذي سعى الفنان إلى تجسيده في تلك القطع الصغيرة دون ان تخلو هذه الاخيرة من مساحات للفرح والعناق في اشارة الى استمرارية الحياة وروح الأمل. 

يذكر أن الفنان أنور الرحبي من مواليد دير الزور عام 1957 ويشغل أمين السر العام في اتحاد التشكيليين السوريين شارك في العديد من المعارض الفردية والجماعية داخل سورية وفي فرنسا والنمسا وبلغاريا والكويت والأردن ولبنان وروسيا وأمريكا وألمانيا وسواها كما حصل على العديد من الجوائز في مسابقات فنية دولية وله الكثير من الدراسات النقدية التشكيلية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق