03‏/10‏/2013

سوريا: مشروع الترجمة في سورية خطوات جريئة نحو معرفة كلية بالعالم

تواصل الخطة الوطنية للترجمة وضع استراتيجية تديرها الهيئة السورية للكتاب حيث تسعى هذه الخطة إلى نشر ثقافة القراءة وتطوير الوعي الجمعي بأهمية تعزيز الانتماء الوطني والتمسك بالهوية مع الانفتاح على الثقافات إغناء للمعرفة بنتاج الفكر الإنساني في ميادين الاداب والفنون والعلوم بمختلف حقوقها وسعيا لبناء إنسان مزود بفكر مستنير ومحصن ضد انحرافات التعصب.
وتهدف الخطة الوطنية للترجمة التي أطلقتها وزارة الثقافة عبر الهيئة العامة للكتاب إلى وضع عناوين للترجمة من عدة لغات عبر التشجيع على الترجمة النوعية والمنهجية ضمن منظور وطني متكامل إثراء للمكتبة العربية بأمهات الكتب في مختلف الحقول ومن مختلف الثقافات واللغات وذلك بانتقاء عناوين مميزة لأدباء ومفكرين عرب سوريين وترجمتها إلى لغات أخرى إضافة لتوثيق الجهود الوطنية في مجال الترجمة وربطها بالخطة تفاديا لأي ازدواجية تهدر الموارد.
المترجمون السوريون لديهم شجونهم الخاصة في ميدان الترجمة فأحمد المفتي من أبرز الذين ترجموا عن الفرنسية يعتقد أن مشكلات الترجمة في سورية ليست مختلفة عن مشكلاتها في الوطن العربي أو في العالم الثالث بصورة عامة وهي مشكلات كم وكيف فمن حيث الكم فإن القصور الكبير يبرز في عدد الكتب المترجمة سنويا إذ لا يبلغ مجموع ما يترجم في سورية وأقطار الوطن العربي جميعها ما يترجمه بلد صغير متقدم حسب احصاءات منظمة اليونسكو. 

وأوضح المفتي أن ثمة ثلاثة عوائق رئيسة في الكيف الأول مفاده أن عدد الكتب العلمية في غير العلوم الإنسانية يكاد يكون معدوما إن لم أقل إنه معدوم رغم الحاجة الماسة إلى هذا النوع من الكتب وتكمن المشكلة الثانية في سيادة النزعة التجارية لدى دور النشر الخاصة إذ يندر وجود تخطيط للترجمة لدى دور النشر الخاصة ولدى المؤسسات الثقافية أما ثالث هذه المشكلات فيبرز في رداءة الترجمة في كثير من الأحيان.
ويضيف المفتي أن تناقص عدد القراء إلى حد مرعب هي المشكلة الرابعة التي تعترض حركة الترجمة مقيما الترجمة في وزارة الثقافة في ضوء هذه المشكلات بأنها من أكثر الترجمات دقة في الوطن العربي والسبب يكمن في الأسلوب الذي تنتهجه مديرية التأليف والترجمة في تقييم الكتب المترجمة أو المؤلفة وليس ثمة شك في أن بعض السمات المعينة تسهم في تمييز مترجم عن اخر لكن الترجمات الصادرة عنها موثوقة.
المترجم عبد الإله الملاح الذي نقل عن اللغة الإنكليزية النقد والشعر والرواية والقصة وكتب الرحلات والسياسة والتاريخ منذ أواخر السبعينيات يرى أن الترجمة في سورية هي مشكلة وقضية في وقت واحد فهي مشكلة من حيث لا يوجد مشروع ترجمة فـكل يغني على ليلاه على حد تعبيره وهذا ليس اتهاما أو انتقاصا مما يبذل من جهود فردية وثمينة أحيانا وإنما تعبير عن ألم وواقع معا يقول.. الترجمة عندنا في الأغلب الأعم هي جهد فردي بل مغامرة فردية ليس لها من يشجعها ويوجهها أو يرعاها بالتقدير وبالنقد والمراجعة والتقييم فتاريخيا دور النشر الخاصة في سورية لم تستطع إنجاز ما يستحق الذكر بالقياس إلى طموح وزارة الثقافة.
ما قدمته وزارة الثقافة السورية من ترجمات خلال قرابة نصف قرن من عمرها لا يعد قليلا كما يقول الملاح والترجمات التي أنجزتها هيئة الكتاب كبيرة القيمة وإن كانت على أهميتها اعتباطية لا تحكمها رؤية أي لم تمثل رديفا ثقافيا متكاملا إذ لا توجد أعمال كاملة لأدباء أو فلاسفة أو مفكرين ولا كتب أساسية تغطي مرحلة معينة من مراحل التطور الإنساني لكن الملاح لا يحمل وزارة الثقافة كل اللوم بل يتساءل.. ما الذي قدمته أو تقدمه وزارتا التربية المعارف سابقا والتعليم العالي وأين اليوم الجامعات السورية من التأليف والترجمة عموما؟ أين مجلاتها المتخصصة؟ أين موءتمراتها العلمية التي كانت تصدر أبحاثها في كتب.
ويضيف الملاح.. ثم ما الذي قدمه اتحاد الكتاب العرب في مجال الترجمة إذا ما استثنينا مجلته الفصلية الآداب العالمية أو الآداب الأجنبية سابقا؟ فقلة هم المترجمون المحترفون أو لمزيد من الدقة المتفرغون للترجمة في سورية تتقاذفهم الهموم وأمواج الحياة فيرقصون على إيقاعها مكرهين يترجمون ويكتبون ساعين في مناكبها وهم ينحنون يعاندون يبددون أعمارهم فلا يبقى منها للترجمة إلا القليل.. أفراد قليلون وإن كثروا إلا أن يدا واحدة لا تصفق. 

بدوره يقول المترجم عهد صبيحة إن غياب أي مشروع منهجي ومنظم أبرز ما تعانيه الترجمة في سورية وعلى الرغم من تشتت جهود الترجمة العربية واختلالاتها الكثيرة ونواقصها في الوقت الراهن فإنها تبقى أهم ما يحصل في الثقافة العربية التي تجري في ظروف رديئة ويعاني الإبداع والتأليف فيها ضروبا من العسر والانسداد فغياب أي مشروع منهجي أيضا لدى القطاع الخاص يضاف إلى معاناة الترجمة ولذلك تبقى الترجمة أمرا فرديا يقوم به على نحو مشتت غالبا أشخاص نذروا أنفسهم لهذه المهمة بدرجات متباينة.
الخطير في الأمر كما يقول صبيحة أن عدد المترجمين الأكفاء يتناقص والجهات الأكاديمية التي تخرج مترجمين تركز على الجانب التقني دون اهتمام بثقافة المترجم وهذا خلل فادح ففي مثل هذه الظروف تكثر الترجمات التجارية الرديئة في اختياراتها وأدائها بيد أن المترجمين السوريين بالمقارنة مع نظرائهم العرب كانوا على درجة كبيرة من المسؤولية والحرفية بسبب ما قدموه من مجهودات بارزة كان لها أثرها في الثقافة العربية. 

وفيما يتعلق بالترجمات التي قدمتها وزارة الثقافة يقول مترجم كتاب الجمال للمفكر البريطاني سكورتون.. تميزت وزارة الثقافة في سورية بأنها قدمت ترجمات بارزة سواء من حيث نوعية أدائها أم من حيث اختياراتها ذلك أنه كان على رأس إدارة هذا الأمر منذ البداية مثقف كبير مثل أنطون مقدسي ارتاح له الفاعلون الثقافيون السوريون ونالوا تشجيعه المعنوي على الأقل إلا أن الترجمة في سورية ما زالت عملا فرديا لم يتحول إلى مشروع ثقافي كبير بسبب عدم وجود مؤسسات ذات استراتيجيات تتبنى وتستقطب طاقات المترجمين فدور النشر السورية تفتقر إلى تبني مشاريع ثقافية وهي أقرب ما تكون إلى مؤسسات ربحية تعتمد الكتاب سلعة وهي من أهم أركان معاناة المترجم وهو ما ينعكس على العمل الثقافي كله. 

من هنا نجد أن دور نشر ارتهنت لقانون العرض والطلب حصرا كما تؤكد المترجمة رباب حيدر التي تقول.. "لا وجود لمشروع للترجمة فالربح المادي هو المطلوب إلى جانب أن غياب استراتيجية وطنية للترجمة يشجع على الاجتهادات الرقابية المجهضة لموظفين متطفلين على الشأن الثقافي يستطيعون بجهلهم عرقلة أي خطوة بالاتجاه الصحيح لتبقى حركة الترجمة متروكة لمن يعثر بمبادرته الخاصة على كتاب يجده صالحا للترجمة وكل ما يصدر الآن من ترجمات يبقى أقل من القليل".
أسامة إسبر لا يعد نفسه مختصا بالترجمة فرغم تورطه فيها والسبب كما يذكر ربما لشعوره الكبير بالمتعة إلا أنه يترجم لكتاب أحبهم لاعتقاده بأن ترجمة نصوص إبداعية جديدة تؤدي دورا تحريضيا في التأثير على لغة الكتابة لدينا إذ انه ينتقي الكتب التي تسحره دون أي اتفاق مسبق مع الناشر فالمسألة ذوق شخصي وبحث عما يغني ويعلم إذ قام إسبر بترجمة معظم أعمال الكاتب إدواردو جاليانو وروايتين للكاتب والشاعر السريلانكي مايكل أونداتجي كما ترجم كتاب "الصراع بين الدين والعلم" للفيلسوف برتراند رسل إضافة لرواية "أحلام آينشتاين" لالن لايتمان.
يرى إسبر أن الترجمة إلى العربية لا تسير وفق منهج موضوع مسبقا وإنما هي انتقائية وتسيرها آلية السوق والصحافة ولا تندرج في سياق الاطلاع العميق على التطور المعرفي الذي صنع حضارة الآخر كما أن أمهات الكتب الفلسفية والنقدية ولاسيما الكتب التي كان لها دور كبير في صناعة التنوير وفي خلق الأسس المدنية والعلمانية للحضارة الحديثة التي تعلم التحليل والنقد وتفكيك المسبقات والمقدسات لم تترجم بصورة منظمة ومدروسة أي لم ترتبط بخطة هادفة هي نتاج دافع البحث عن حلول للمشكلات التي تكبل المجتمع العربي. 

ورغم الجهود التي بذلت فإن حركة الترجمة لدينا كما يقول إسبر ما تزال محدودة وضعيفة إذا ما قورنت بحركة الترجمة في بلدان أخرى فلغة التجارة هي الطاغية اليوم وثمة سيل من الكتب حول موضوعات نبدو غير قادرين على تأملها وتحليلها يؤلفها الآخر ففي الأدب كما يبين إسبر نلهث وراء الروايات الحاصلة على جوائز والتي تروجها الصحافة أو تحقق أعلى المبيعات بحسب الصحف الغربية دون أن نبحث عن روايات أخرى قد تكون أكثر أهمية.

يقول إسبر.. "هذه التوجهات أسست جمهورا جاهزا لتلقي كل ما يروج له بعيدا عن روح التساؤل والبحث والذوق الرفيع فهناك عوامل كثيرة تحول المادة المترجمة إلى سلعة في سوق الاستهلاك" لكن إسبر لا ينكر وجود مترجمين أفرادا وناشرين محترمين ولو كان عددهم قليلا يعملون على تقديم الكتب الأكثر أهمية لدى الآخر والأكثر قدرة على تشكيل عقل قادر على الفهم والنقد والتحليل.
 
سامر إسماعيل - سانا

وزارة الثقافة - سوريا: مشروع الترجمة في سورية خطوات جريئة نحو معرفة كلية بالعالم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق