27‏/10‏/2013

سوريا: قبــل يــوم مــن رحيـله.. قالهـا زرزور وفعـلها... لــن أتـــرك ريشــتي وخطوطي حتى آخـــر لحظــة فـي حيــــاتي؟!



توفي قبل أيام الخطاط المخضرم (زهير زرزور) عن عمر تجاوز الخامسة والثمانين، ويعد زرزور شيخ خطاطي دمشق وظل على مدى سنوات طويلة رئيساً لجمعية الخطاطين في دمشق حتى وفاته.

 تميز الراحل زرزور بعشقه لفنون الخط العربي منذ صغره ولم يتخلَ عنه كهواية واحتراف حتى وفاته، ففي دكانه الصغير بسوق الصالحية بدمشق والذي حوّله لمحترَف بسيط يمارس فيه إبداع الأعمال الفنية بمجال الخط والحروفية أنجز الراحل مئات اللوحات الفنية والتي شارك فيها بمعارض عديدة فردية وجماعية.
قبل رحيله بثلاثة أيام كنت في زيارة سريعة للراحل زرزور بمحترفه البسيط، اشتكى من ضعف الرؤية في عينيه ومن أمراض الشيخوخة ولكنه كان مصرّاً على الإبداع وإنجاز لوحات خط جديدة، قالها زرزور وفعل ورحل:لن أترك ريشتي وخطوطي حتى آخر لحظة في حياتي؟!..وهذا بالفعل ماحصل حيث فوجئ الكثير من أصدقائه برحيله المفاجئ فالعديد منهم كانوا في زيارته قبل يوم من وفاته، وكان يحدثهم عن مشاريع وأعمال جديدة ورغم كبر سنّه كان وبهمة عالية يتحدث عن حفلات قادمة للفرقة الفنية التراثية(الدراويش الشامية) حيث هو عضو فيها وعازف موسيقي رئيس ضمن أعضاء الفرقة، حيث كان الراحل يهوى الموسيقا ويجيد العزف على العود فانتسب لفرقة الدراويش الشامية التي أسسها صلاح قباني قبل حوالي خمس سنوات وقدّمت العديد من الحفلات التراثية والأمسيات الموسيقية على مسارح دمشق.
في أكثر من مناسبة تحدث الراحل زرزور عن بداياته مع الخط العربي ورحلته الطويلة معه ورفضه إدخال الكومبيوتر في عمله بمجال فنون الخط كما يفعل الكثير من زملائه الخطاطين فيقول في هذا المجال: بدأت رحلتي مع الخط العربي منذ عام 1937 وتفرغت بشكل كلي للخط العربي الذي تعلمته وأنا بعمر 10سنوات وشجعني والدي على تعلمه حيث كان يعمل في ترميم البيوت الشامية التقليدية ويعرف مدى أهمية وجماليات الخطوط بأنواعها في زخارف هذه البيوت وعملت مع والدي فيما بعد بترميم اللوحات الخطية الزخرفية التي كانت تضمها البيوت الدمشقية التي يرممها والدي ومن خلال محلي أمارس حتى اليوم احترافي للخط وألبي طلبات الزبائن الذين يرغبون بأن أخطط لهم لوحات إعلانات أو بطاقات المناسبات الاجتماعية وأنفذ كل هذه الأعمال بشكل يدوي لا يوجد في محترفي كومبيوتر بعكس كل زملائي فأنا لا أرغب في إدخاله بعملي حتى ولو كان سيريحني ويسرع من عملي ومن إنجاز طلبات الزبائن بسرعة أكثر فأنا أعتبر الخط إبداعاً وفناً غير تجاري وأدوات الخطاط يجب أن تبقى كما هي القصبة والحبر والورقة والشخص المبدع؟!.. والأصالة أن يكتب الخطاط بخط يده وليس بالكومبيوتر وعن نشاطاته ومعارضه يقول الراحل شاركت في ثلاثين معرضاً جماعياً للخط العربي وأقمت معارض فردية داخل وخارج سورية، ومنذ احترافي الخط العربي كان لي العديد من المحطات:عملت خطاطاً ورساماً لعدد من صالات السينما في مدينة دمشق ومنها سينما دنيا وعائدة والأهرام والرشيد (لونا بارك) وفي رحلتي مع الخط العربي أتذكر أنني صممت أول خلفية لوحة للملاعب لطلاب المرحلة الابتدائية في مدرسة ابن العميد بدمشق قبل 60عاماً وكانت تتألف من 11كلمة وهي(اسبارتكياد) كذلك شاركت في كتابة الصفحة الأولى لأكبر مصحف بالعالم والذي بلغ وزنه 150كغ وشارك في كتابته كبار الخطاطين من 18دولة إسلامية ، كما قام الراحل في عام 2009 بتدريس أصول الخط العربي لـ13طالباً من سنغافورة وماليزيا في دمشق ودرّس أيضاً طلاباً من أمريكا وفرنسا واليابان والهند أصول الخط العربي ومنحهم شهادات بالخط.
وعن أحب الخطوط إلى نفسه وعقله وقلبه قال الراحل: الخط الرقعي وكان مهملاً جداً عندما بدأت أتعلم فنون الخط رغم إنه أساس الكتابة في المدارس ولتعليم التلاميذ حيث كان تعليم الخط العربي إلزامياً في مدارس دمشق وكان هناك خلط مابين الخط الرقعي والديواني والثلث ولذلك رغبت من خلال التركيز على الخط الرقعي بتصحيح هذا الخلط وأن يشاهد الطلاب والناس أصول هذا الخط الذي تعلمته على يد أهم خطاط رقعة في العالم الإسلامي وهو الخطاط التركي الراحل محمد عزت، أما بقية أنواع الخطوط فقد تعلمتها بشكل شخصي من خلال متابعة آرمات الشوارع في دمشق حيث كانت تنفذ بشكل يدوي وراقٍ بعكس ما نشاهده اليوم إذ صارت تكتب من خلال الكومبيوتر وبخطوط رديئة غير مفهومة أحياناً، ويبقى لكل نوع من الخطوط جمالياته واستخداماته وهناك 7 أنواع من الخطوط الرئيسية، فعندما نريد كتابة آية قرآنية نستخدم خط الثلث وكذلك في المساجد وإذا أردنا كتابة عنوان كتاب بخط راق فنستخدم الثلث، وهناك الخط المرافق للثلث وهو النسخي وبعض الأشخاص يرغبون بالخط الديواني أو الفارسي (والذي يسمى تعليقاً وهي تسمية خاطئة).
ولم يكن الراحل يطمح من وراء عشقه لفنون الخط العربي أن يثرى من وراء عمله وإبداعاته بل كان يعد ذلك واجباً على أي خطاط لحماية هذا الفن الجميل ويقول في هذا المجال: أعد نفسي مع زملائي حاملي شعلة الدفاع عن الخط العربي وحراساً على هذا التراث ومنذ احترافي الخط لم يكن لدي أي مطمح مادي وأن أتحول لمليونير من عملي في الخط العربي فأنا أحمل رسالة أؤديها وهي حماية الخط بكل إمكاناتي وأقوم بعمل ما يلزم من دعاية له وتعليمه لمن يرغب.
في مسيرة حياة الراحل زرزور محطات عديدة لعلّ أبرزها ما ذكره لي في أكثر من مناسبة وهي أنه أول من أدخل فن(السيلوويت) إلى سورية في خمسينيات القرن العشرين وظلّ الوحيد حتى وفاته الذي يمارس هذا الفن حيث درس هذا الفن الفرنسي في بيروت وتخصص به في عام 1950 وكان الشخص الثاني في العالم العربي الذي تعلمه بعد الفنان اللبناني عبد الله الشهال وأدخله إلى دمشق من خلال محترفه بالصالحية وفي الاشتراك بدورات معرض دمشق الدولي السنوية حتى عام 1970حيث كان يمارسه في ساحات المعرض ولزواره الكثر وكان يحصل على ليرة سورية من الزبون الذي يرسم له بروفيل لوجهه بفن السلوويت في ذلك الوقت وهذا الفن الفريد من نوعه في العالم يعتمد على رسم الوجه الجانبي للإنسان(بروفيل) من خلال استخدام المقص والكرتون(الورق المقوى) ذي اللون الأسود لقص وجه الشكل الجانبي للإنسان المراد تصويره والذي يجلس أمامه وكان ينجز عملية الرسم في نصف دقيقة فقط، حيث ينتج عملاً فنياً لوجه الإنسان كما هو، ولكن لم يلق هذا الفن الكثير من التشجيع ـ كما ذكر الراحل زرزور ـ ولذلك لم يتعلمه ويمارسه أحد غيره في دمشق.
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق