25‏/09‏/2013

سوريا: السوريون أصحاب أقدم رسم جداري في العالم

إسهامات و إبداعات الشعب السوري الأصيل والعريق في بناء الحضارة الإنسانية لا تتوقف فقط عند اختراع أول أبجدية مسمارية في العالم بل برزت إبداعاته في ميدان الفن التشكيلي منذ الزمان الغابر.
فالسوريون هم أصحاب أقدم رسوم جدارية مكتشفة إلى الآن في منطقة الشرق الأوسط وأقدم رسم على جدار مبني بواسطة الإنسان في العالم ينسب تاريخه إلى العصر الحجري الحديث أي حوالي 11 ألف عام نهاية الألف العاشر، بداية الألف التاسع قبل الميلاد مما يؤكد آثارياً أن ظهور العصر الحجري الحديث في منطقة الشرق الأوسط وبالتحديد في شمال سورية قد سبق ظهوره في أوروبا.

والرسم و التلوين هي المرحلة التي سبقت ظهور الحساب و إختراع الكتابة كما يقول الدكتور محمود السيد نائب مدير المخابر في المديرية العامة للآثار والمتاحف وقارئ النقوش الكتابية «مسمارية، هيروغليفية، أبجدية» لافتاً إلى أن أقدم رسوم جدارية مكتشفة في العالم حتى الآن عُثر عليها في أحد عشر موقعاً في كهوف جبل يقع في سان كارلوسفي ولاية تاماوليباس في شمال شرق المكسيك.
ويضيف السيد أن عدد هذه الرسوم الجدارية يقدر بنحو 4926 لوحة رسمت على الأرجح قبل نحو أربعين ألف سنة وتلي هذه الرسوم في القدم الرسوم الجدارية المكتشفة في مغارة شوفيه في جنوب فرنسا والتي ينسب تاريخها إلى 31 ألف سنة «العصر الأورينياسي 37/29 ألف سنة» ثم رسوم مغارة كوسكيه في مارسيليا في فرنسا وتؤرخ الرسوم الجدارية المكتشفة فيها في الفترة الواقعة مابين 27/19 ألف سنة ثم تؤرخ رسوم مغارة لاسكو في شمال فرنسا بنحو 18/17 ألف سنة.

وبينت الاكتشافات الأثرية ايضا رسوم مغارة ألتاميرا في سانتيانا ديل مار في إسبانيا والتي تؤرخ في الفترة الواقعة مابين 15500-13500 سنة و رسوم مغارة توكيبال جنوب البيرو التي تؤرخ في الفترة الواقعة مابين 12-10 آلاف سنة.
ويضيف الدكتور السيد أن هذه التواريخ حُددت وفقاً للنتائج المستخلصة من تحليل الكربون 14 سي موضحاً أنه لاتوجد لوحات جدارية في عمق المغارة أو الكهف في العصر الحجري الأوسط والعصر الحجري الحديث ولكن فقط داخل أو أعلى الجدران الخارجية أو أعلى الكهف.

ويؤكد السيد أن أقدم استخدام للألوان في ديكور وتزيين المنازل في سورية اكتشف في موقع تل المريبط الأثري في منطقة حوض الفرات الأوسط فقد طليت دعائم أحد المنازل المكتشفة في هذا الموقع بالأسود على خلفية بيضاء ينسب إلى العصر النيوليتي ماقبل الفخاري.
أما أقدم الرسوم الجدارية المكتشفة في سورية وفي العالم فوجدت على جدار أحد المنازل في موقع تل جعدة المغارة على الضفة اليسرى لنهر الفرات شمال سورية في عام 2002 وتعود هذه الرسوم على الأقل إلى نحو 11 ألف عام وفقاً للنتائج المستخلصة من تحليل الكربون 14سي لتأريخ بالكربون المشع لافتاً إلى أن موضوع الرسوم هندسي فقط لا تصور أشخاصاً أو حيوانات و قد لونت بالأبيض و الأسود والأحمر والأصبغة المستخدمة مصنوعة من حجر الهيماتيت للون الأحمر وحجر الجير الأبيض للون الأبيض والكربون الفحم للون الأسود.

كما عثر في موقع تل حالولة الأثري في منطقة الفرات الأوسط في عام 1997 على مجموعة رسوم في أرض إحد المنازل تنسب الى العصر النيوليتي ماقبل الفخاري الوسيط تؤرخ في الفترة الواقعة مابين 8800-8500 عام قبل الميلاد وتمثل الرسوم ثلاثاً و عشرين إمرأة مرتبة بعناية و موزعة حول مربع و قد رسمت بالطلاء الأحمر الداكن على أرضية من الجير أو الكلس غطت الجزء الرئيسي من المنزل وهذه الرسومات تمثل أقدم رسم لإنسان معروف في منطقة الشرق الأوسط وتبرز دور المرأة السورية و إسهاماتها في بناء أسس الحضارة و المجتمع منذ أن ظهرت التجمعات الزراعية البدائية الأولى.
وبين السيد أنه اكتشف في موقع تل بقرص الأثري الواقع على الضفة اليمنى لنهر الفرات في أرض أحد بيوت الموقع البيت رقم 17 رسم باللون الأحمر لطيور النعام أو الكركي على خلفية بيضاء ينسب إلى العصر النيوليتي ماقبل الفخاري الحديث 9-8 آلاف سنة وعثر على جدار أحد المنازل نحت وجه لإنسان من الطين مطلي باللون الأحمر /مسحوق أكسيد الحديد/ كما استخدم الصباغ في طلاء بعض الجماجم في تل أسود في ريف دمشق كنايةً عن «طقوس جنائزية».

ويشير السيد الى أنه مع تطور مفهوم الحضارة و نشوء المدن استخدمت الرسوم الجدارية في تزيين المنازل والقصور والمعابد وأهم هذه الرسوم هي تلك التي أكتشفت في موقع «تل الحريري» الأثري مملكة ماري في قصر الملك «زمري ليم» فهي تمثل عناصر فنية مختلفة و تجسد براعة الفنان السوري وكفاءته و تبرز التطور الفني الذي شهدته سورية خلال الألف الثاني قبل الميلاد.

يضيف السيد: «يلاحظ في هذه الرسوم الاهتمام بصورة الملك والإله وغالباً ما ترتبط رمزياً مع الحيوانات التي تأخذ النصيب الأكبر من الرسوم الجدارية كما تجسد الإنسان و النبات كذلك تصور مشاهد الأضاحي و تنصيب الملك»، مشيراً إلى أن هذه اللوحات تمثل أقدم رسم جداري يجسد مشاهد الأضاحي و تقديم القرابين من الماء والنار كما أن الرسم الجداري الذي يتناول موضوع تنصيب الملك يمثل اللوحة الأقدم في منطقة الشرق القديم التي تصور مشهد تنصيب الملك بمباركة الإلهة «عشتار» التي تملك السلطة والنفوذ وينسب تاريخ اللوحة إلى الفترة الواقعة مابين 1820- 1800 قبل الميلاد.

ونوه السيد إلى أن اللوحة كانت قبل عملية التنظيف والترميم متأثرة ومتضررة كثيراً و قاتمة اللون بفعل الحريق الذي أصاب قصر «زمري ليم» أثناء غزو حمورابي ملك بابل لمملكة ماري وتدميرها نحو عام 1760 قبل الميلاد.
ويوضح السيد أن هذه الرسوم تؤرخ بداية فصل جديد من فصول تاريخ فن الرسم والتلوين في منطقة الشرق القديم ألقى بتأثيره على شكل وعناصر الرسوم الجدارية التي زينت بها جدران المعابد والقصور الملكية الآشورية خاصة خلال العصر الآشوري الحديث وخير مثال على ذلك الرسوم المكتشفة في تل أحمربارسيب.

وفي العصر الهلنستي والروماني شكلت سورية محطة بارزة في تاريخ فن الرسوم الجدارية وبشكل خاص اللوحات الجدارية التي أكتشفت في موقع دورا أوروبوس في منطقة الفرات الأوسط جنوب شرق سورية على بعد 35 كم من الحدود السورية العراقية.
ويؤكد السيد أنه نظراً للأهمية العالمية التي تختص بها الرسوم الجدارية المكتشفة في سورية والعائدة إلى مختلف العصور التاريخية وضعت المديرية العامة للآثار والمتاحف «مديرية المخابر الترميمية والعلمية الأثرية السورية» خططاً لترميم وحفظ ونشر مضمون هذه الرسوم ذات القيمة الفنية الفريدة والتي تشكل جزءاً من التراث الثقافي العالمي.

وباشرت المديرية منذ عام تقريباً بدراسة وتوثيق وترميم الرسوم الجدارية المكتشفة في دورا أوروبوس وقارا وقصر الحير الغربي كخطوة أولية سيتبعها عقب الانتهاء من المشروع الأول عملية الدراسة والتوثيق والترميم لكافة الرسوم الجدارية المكتشفة في مختلف المواقع الأثرية السورية «تل ممباقة، تل حلاوة، تل السويحات، تل سكا، تل الشيخ حمد، تل أحمر، دورا أوروبوس، تدمر، مصياف، أفاميا، قصر الحير الشرقي والغربي، دير مار موسى الحبشي، دير مار يعقوب».

عماد الدغلي - وزارة الثقافة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق