02‏/09‏/2013

فيتنام: فنان في الـ 95 يحافظ على الموسيقى الفيتنامية التقليدية

يعتبر فين باو ذو الخمسة والتسعين عاما أحد أفضل الموسيقيين التقليديين في فيتنام

جاستين رولات - بي بي سي - فيتنام: 

تتشابه موسيقى الهواة الفييتنامية مع النوع الكلاسيكي من الموسيقى الغربية الذي يعرف بموسيقى "التشامبر" أو "الحجرة"، إذ يصف محبو هذا النوع من الفن الآسيوي بتميزه بالجمال والرونق، وهي خصائص كان مراسلنا جاستن رولات يجدها صعبة في التقييم، إلى أن التقى بمؤسسة ذلك الفن.
من النادر جدا أن يجتمع الجمهور للاستماع إلى فين باو.

ويعتبر هذا الفنان ذو الخمسة والتسعين عاما أحد أفضل الموسيقيين التقليديين في فيتنام، كما يعتبر الراعي لأحد أشكال الموسيقى الفيتنامية التي تعرف باسم موسيقى الهواة.
وبما أن باو لا يتحرك كثيرا الآن، فقد استقبلتني ابنته على باب منزله الصغير الذي يطل على شارع خلفي بمدينة هو شي مين، وقادتني إلى غرفته الصغيرة التي يعزف فيها موسيقاه في الطابق الأول.
ووجدت ذلك المايسترو جالسا على الأرض، وسرعان ما بدا واضحا لي بجسمه النحيل الصغير وشعر رأسه الأبيض المندوف وذلك البريق في عينيه أنه لم يفقد شيئا من فطنته أو تركيزه.
وأشار إلى إحدى الآلات الموسيقية الغريبة إلى جانبه، وهي آلة تسمى "القانون الفييتنامي" أو "دان تران"، قائلا إنها تعتبر آلته المفضلة.
وتعد آلة القانون الفييتنامي تلك آلة جميلة بالفعل، حيث إنها مصنوعة من الخشب الملمع، ويبلغ طولها مترا تقريبا وعرضها 15 سنتيمترا، وسطحها محدب يضم 17 وترا، تثبت كل منها إلى طرفين خشبيين.
وأثناء عزفه على تلك الآلة، كان الشيخ العجوز ينحني عليها وهو يعزف بإحدى يديه، بينما كانت اليد الأخرى تعفق الأوتار. ومع أن يديه كانتا تتحركان بسلاسة ودقة، إلا أن النتيجة لم ترق إلى ما كنت أتوقعه.

وكان عزفه مجرد سلسلة من النغمات العشوائية التي تعتمد على إيقاع بسيط، بينما كانت الكثير من النوتات الموسيقية –بالنسبة لأذني على الأقل- نشازا.
ومع انتهائه من العزف، قمت بهز رأسي وأنا أحاول مبتسما إبداء تقبلي لتلك المقطوعة. وأعتقد أنه أدرك أنني وجدت صعوبة في استيعاب ذلك النوع من الموسيقى.
لذا فقد استدرك ليخبرني أن الموسيقيين الفييتناميين يضبطون آلاتهم حسب ما يرونه مناسبا، أو حسب المستوى الصوتي للمغني الذي سيقوم بالأداء معهم.
وتنبع الموسيقى الفييتنامية من الطبيعة النغمية للغة الفيتنامية. فالكلمة التي تحمل نبرة مرتفعة لا يمكن غناؤها بلحن يتعلق بنبرة منخفضة، والعكس صحيح أيضا.
لذا جرى تطوير ألحان تسمح بإحداث تغييرات ارتجالية على النوتات الموسيقية من شأنها أن تتماشى مع نبرات الكلمات التي يجري غناؤها.
ويقول باو إن ذلك يعتبر السبب وراء وجود مثل هذا التأكيد على ما وصفه بالتزيين للنوتة الموسيقية، وهو سبب آخر يجعل وقع الموسيقى التقليدية يبدو "نشازا" على أذن المستمع الغربي.

 
 تعد آلة القانون الفييتنامي تلك آلة جميلة بالفعل، حيث إنها مصنوعة من الخشب الملمع، ويبلغ طولها مترا تقريبا وعرضها 15 سنتيمترا، وسطحها محدب يضم 17 وترا، تثبت كل منها إلى طرفين خشبيين
 
وأضاف باو بنبرة يبدو عليها الإحباط "ذلك هو ما يزيد من صعوبة إحياء فن موسيقى الهواة الفييتنامية. حيث إن الغرب يعرض الشباب الفييتنامي بآلاته المحترفة، ونوتاته الدقيقة ومؤلفاته الموسيقية المختلفة، وفرقه الموسيقية المنضبطة. لذا سيكون من الصعب جذب اهتمامهم نحو هذه الآلات القديمة."
ومن بين تلك الآلات التقليدية آلة "دان نويات"، وهي آلة أشبه بعود مستدير تضم وترين، وآلة "الدان باو" التي تضم وترا واحدا وقضيبا في نهايتها يجري من خلاله تحديد النوتات الموسيقية.
وأردف قائلا وهو يطلق تنهيدة من صدره: "ينظر الشباب إلى الموسيقى الفييتنامية على أنها موسيقى قديمة الطراز أشبه بعجوز خرقاء." محذرا من أنه إذا ما فقد شعب ثقافته الخاصة، فإنه سيفقد في يوم ما هويته كلها.
وعندما سألته عن المستقبل، فاجأني بابتسامته الكبيرة وهو يشير إلى أحد أجهزة الحاسوب الموضوعة على إحدى الطاولات خلفه، وإلى جانبها جهاز تسجيل رقمي باهظ الثمن.

وقال متفاخرا "لدي عدد من الطلاب أكبر من أي وقت مضى من جميع أنحاء العالم." وبدا أنه كان يتعلم كيفية الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في معركته للحفاظ على التراث الموسيقي في فييتنام.
وأضاف أنه قام بتسجيل العديد من ألحان فن موسيقى الهواة، إلى جانب تعليم طلابه بشكل فردي، ويقوم حاليا بتقديم الدروس عبر برنامج سكايب، لدرجة أنه طلب مني المكوث لمشاهدته وهو يقدم واحدا من تلك الدروس.
وبدا ذلك الشيخ، وهو في العقد العاشر من عمره، ماهرا في استخدام لوحة المفاتيح في جهاز الكمبيوتر وكأنه يستخدم إحدى آلاته الموسيقية، وخلال دقائق كان يتحدث إلى إحدى السيدات الأمريكيات من أصل فييتنامي في ولاية تكساس الأمريكية، ثم بدأ درسه معها.
أما مترجمتي فأخبرتني أن موسيقى السيد فين باو ملأى بالمشاعر الحزينة التي قد تحرك الدموع منها، لذا فمن الممكن أن أكون قد فهمت هذه الموسيقى الآن بشكل أفضل، وكنت حريصا على أن أعطي نفسي فرصة ثانية للاستماع إليها.
وقد تبدو الألحان صعبة، إلا أن المذهل هو الطريقة التي يستخدم بها هذا الرجل هذه التكنولوجيا الحديثة للحفاظ على التراث الذي يحبه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق