22‏/08‏/2013

سوريا: ندوة عبقرية أبي تمّام وأسرارها

عبقرية أبي تمّام وأسرارها
مشوّح: السوريّون صنّاع حياة وروّاد بناء
الربداوي: أبو تمّام قومي يعربي وثروة إنسانية
محمد: حطم مفهوم المقاربة السائدة
البطرس: طرح أسئلة فذّة ما زالت تُطرح حتى اليوم 

عبقرية أبي تمام ليست سرّاً لا يُذاع لكنها سرّ في تفرّدها، وليس غريباً بعد ما يزيد على الألف ومئتي عام أن يكون موضوع ندوة يشارك فيها أساتذة وقفوا جزءاً من علمهم على دراسة شعر حبيب ابن أوس الذي اختلف حوله وحول شعره النقّاد عرباً ومستشرقين، واتفق الجميع على عبقريته التي ظهرت إبداعاً لم يقتصر على الصورة والبلاغة بل شمل العقل والفكر والمفاهيم والقيم، كما اتفقوا على أ،ه ليس بصاحب غزل وإنما مدّاحة نوّاحة، واحتل بشعره مكانة متميزة في الشعر العربي باختلافه وتميّزه عمّن سبقه وعاصره وبإبداعه. 
في الندوة التي أقامها المركز الثقافي العربي في أبو رمانة والتي حضرتها وزيرة الثقافة الدكتورة لبانة مشوّح، تناوب في الحديث كل من الأساتذة الدكتور محمود الربداوي في بحث بعنوان "إشكاليات الرحلة وتأليف كتب أبي تمام" والدكتور عاطف بطرس ببحث بعنوان "الوحدة والتنوع في التكوين الثقافي لأبي تمام"والدكتور أحمد علي محمد ببحث بعنوان "الصنعة العقلية عند أبي تمام"، وقد أدار الندوة الدكتور الربداوي.
واغتنت الندوة بالطروحات والأفكار وتناولت محاور عديدة في شعر وحياة أبي تمام، من خلال ما ترك من تراث وما كُتب عنه منذ ولادته وحتى مماته، خاصة وأن المحاضرين كان أبو تمام أحد اهتماماته الشخصية والعلمية.
ففي حين بدأ الربداوي من جاسم مسقط رأس أبي تمام ومن ثم ترحاله بين البلاد طالباً الرزق حيناً والمعرفة حيناً آخر ووصولاً إلى وفاته، ومتطرقاً إلى أفكار متزاحمة مرّ على بعضها مرور الكرام بما يتوافق مع الوقت المتاح وتوقف عند بعضها الآخر مستحضراً ذكر رجل كان كما يرى الربداوي قومياً يعربياً بقدر ما كان شاعراً مبدعاً، ويستشهد بما كُتب على ناصية التمثال الذي وضع في جاسم في محافظة الرقة وهما بيتان من الشعر يقول فيهما:
بالشام أهلي وبغداد الهوى وأنا ....................... بالرقمتين وبالفسطاط إخواني
وما أظن النوى ترضى بما صنعت................. حتى تطوح بي أقصى خراسان
وتساءل الربداوي عن سرّ ذلك الجحود لدى من عدّهم (بلطجية) لأبي تمّام والذي دفع بالبعض منهم إلى تحطيم تمثاله، وساق أمثلة عن استهداف تماثيل لعظماء الشعراء ليس في سورية وحسب بل في بلدان عربية أخرى، ومشيراً في الوقت ذاته إلى أن أبا ليس ثروة سورية ولا عربية بل هو ثروة إنسانية.
وفي حديثه تطرق إلى قصة أبو يعلى المعرّي الذي مرّ برجل قرب المعرّة يأخذ حجارة الآثار ليبني بيتاً فمنعه وقال:
أتتلفها شلّت يمينك خلّها ................... لمعتبر أو زائر أو مسائل‏
منازل قوم حدثتنا حديثهم ................. لم أرَ أحلى من حديث المنازل‏
أما أحمد علي محمد فتناول في ورقته ثلاثة أفكار أساسية هي الصنعة التي يمثلها زهير بن أبي سُلمى والحطيئة وهم من اصطلح على تسميتهم بعبيد الشعر وصنعة المولدين وهم المكثرون في البديع رغبة في تحسين هيئة الكلام وتنسيق الشعر في الزمن الذي انتقلت فيه الأمة إلأى طور الحضارة والتأنق في المأكل والملبس، أما الضرب الثالث فهو صنعة أبي تمام التي تعتمد المعنى والبحث عن الأفكار.
وتطرق محمد إلى تميز أبي تمام في الطباق واعتماده التنافر الأوسع من التضاد وتوظيفه للجناس في تعميق الصورة وتجديده في موضوع الصورة معتمداً على الصورة الذهنية محطماً مفهوم المقاربة السائدة بين المشبه والمشبه به ومعتمداً الغموض من خلال علاقة مستورة بين الاثنين بغرض إثارة الجمال في النفس على أساس أن المستور هو غاية في الجمال.
وتناول النزعة العقلية عند أبي تمام الذي عدّ الشعر نتاجاً عقلياً محضاً وواصلاً إياه مع الفضيلة والأخلاق، كما تناول مقولة الفن للفن في شعر أبي تمام مورداً أمثلة من شعره وآراء بعض النقاد والفلاسفة حول هذه النظرية وموضحاً أن الهدف منها عند أبي تمام هو إظهار النزعة الجمالية عنده.
بدوره أكد البطرس أن الحديث عن أبي تمام هو حديث في الحاضر كما هو عن الماضي، وبيّن أن ما تناوله هذا الشاعر الفذ من أفكار ومفاهيم هو طرح لأسئلة ما زالت تُطرح حتى اليوم رغم أن الشمس تشرق كل يوم على عالم متغير، مبيناً أن صورة العالم ليست وقائع فردية وإنما هي اجتماعية، هذه الأفكار وغيرها عرضها الدكتور البطرس مطبقاً نظرية الوحدة والتنوع على أبي تمام.
الدكتورة مشوّح رأت أن الاحتفاء بالمبدعين السوريين وتكريمهم من كل العصور، الأحياء منهم ومن فارقوا الحياة، هو أحد مهام وزارة الثقافة وما تعمل عليه ضمن سياساتها، فالمبدع عماد أساسي في بناء ثقافة الأمة وفكرها وتكريس القيم النبيلة والإنسانية فيها.
وأضافت أن أبا تمّام عَلَم من أعلام الشعر العربي، ومن الطبيعي أن تقيم الوزارة ندوات حوله دائماً، وذلك للتعريف به وبشعره وفكره، خاصة للجيل الشاب، والتشجيع على إنجاز دراسات وأبحاث حوله، وكذلك كشكل من أشكال التحفيز على الإبداع، وخصوصية هذه الندوة من أنها إضافة إلى كل ما سبق، هي ردّ على من يسعون إلى الظلام والجهل والخراب والموت، أولئك الذين عمدوا إلى تحطيم تمثال أبي تمّام، لنؤكد أن السوريين صنّاع حياة ونور وروّاد بناء.    
وأشارت في سياق آخر إلى أن الوزارة تولي اهتماماً كبيراً للمبدعين من الشباب في مختلف المجالات، في السينما والمسرح والموسيقى والأدب والشعر، وتهيئ لهم الفرص وتدعمهم مادياً ومعنوياً من خلال إنتاج إبداعاتهم الفنية وطباعة إبداعاتهم الأدبية.
وأكّدت وزيرة الثقافة أن الطموحات في هذا الإطار كبيرة، وأن رعاية المبدعين الشباب أحد أهم أولويات الوزارة وأوضحت أن هناك العديد من المشاريع في هذا الإطار، بعضها أنجز والآخر ما زال قيد الدراسة.     

المكتب الصحفي لوزارة الثقافة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق