13‏/08‏/2013

سوريا: تشييع الشاعر السوري الكبير سليمان العيسى إلى مثواه الأخير

بمشاركة شعبية ورسمية وثقافية وفنية شيع أمس جثمان الشاعر السوري الكبير سليمان العيسى الذي غيبه الموت عن عمر ناهز 92 عاماً إلى مثواه الأخير في مقبرة الشيخ رسلان بدمشق.

وأكد عضو القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي عبد المعطي مشلب في تصريح له خلال مراسم التشييع «أن الشاعر الراحل قامة وطنية كبيرة فهو شاعر سورية بمعناه الإنساني حيث أمضى حياته في النضال والعمل الوطني والقومي».
كما لفت مشلب إلى أن الراحل اتجه إلى الأطفال الذين يمثلون أمل الأمة ومستقبلها وكان له باع طويل في المجالات السياسية والتربوية واحتل لواء اسكندرون قسماً كبيراً من ولهه الشعري إذ بقي العيسى آملاً بعودته إلى حضن الوطن الأم.

بدوره قال الدكتور علي القيم معاون وزيرة الثقافة: «كان صديقاً للجميع وأخاً ومربياً وشاعراً كبيراً وملك ناصية اللغة بكل مضامينها وأبعادها، وعملاقاً وكانت الكلمة فعل حياته والعروبة مسعاه الأول والأخير».
وقال حسين جمعة رئيس اتحاد الكتاب العرب «برحيل الشاعر الكبير سليمان العيسى خسر الوطن علماً من أعلامه الكبار وفقدت الأمة واحداً من مبدعيها الذي عاش دائماً في وجدان أبنائها عبر قرابة قرن من الزمن أمضى جلها في الإبداع والعطاء»، مضيفاً إن الراحل الكبير أنشد للأطفال وغنى معهم لأنه كان على يقين دائم بأن الأمة تتجاوز محنها وأزماتها وتمضي إلى المستقبل وإلى حلمها عبر الأجيال القادمة كما كانت العروبة تجري في دمه لأنه يؤمن بأن العروبة سستنتصر.

ولفت إلى أن الراحل كان أحد مؤسسي اتحاد الكتاب العرب وكتب العدد الأول من جريدة البعث بيده وقاد مع مجموعة من رفاقه العمل الثقافي وقدموا لهذه الأجيال عصارة ابداعهم وفكرهم، مؤكدا أن الشاعر العيسى سيبقى خالدا في ثقافة أمتنا كما هو خالد في أذهاننا واذهان أطفالنا وإن غاب جسده لن يفارقنا لأن اسمه أصبح جزءا من القصيدة.
وبين رئيس اتحاد الصحفيين الياس مراد أن الشاعر الراحل ترك إرثاً للأجيال القادمة يعبر عن حقيقة هذه المرحلة التاريخية التي أمضاها في خدمة وطنه سورية والامة العربية حيث امتزجت كلماته بالروح والعقل والوطن.

وقال الدكتور حيدر يازجي رئيس اتحاد الفنانين التشكيليين إن الأجيال تربت على أشعار الراحل العيسى الوطنية وتعلمت منه الانتماء وحب الوطن، لافتاً إلى أن الشاعر الراحل كان متفائلاً بأن سورية سوف تنتصر بالرغم من كل ما يحاك ضدها ما دام هناك شعب أبي يعرف الانتماء والنضال سمته.
ولفت الفنان محسن غازي نائب نقيب الفنانين إلى أن «الشاعر الراحل كان قامة كبيرة ستبقى حاضرة دوماً لأنها تركت إرثاً كبيراً في داخلنا وفي وجدان الصغار والكبار واليوم تبكي رحيله الطفولة التي تشربت أدبه الرائع الذي انسجم بالحياة ولامس عالمهم وارسى دعائم أدب لا تنتهي ولا ينضب».

وعبر الدكتور معن سليمان العيسى نجل الفقيد عن امتنانه وتقديره لكل من شاركه حزنه، مؤكداً أن مارآه من مشاركة يعبر عن حجم مساحة الحب التي تركها الشاعر الكبير في وجدان السوريين والأمة.

وقال الناقد الدكتور غسان غنيم إننا بفقد الشاعر سليمان العيسى نفتقد صوتاً عروبياً غنى وصدح للعروبة وللوحدة ولكل ما هو ألق في تاريخ هذه الأمة حيث عاش حياته منافحاً عن الأمة يشدو لانتصاراتها ويحزن لانكساراتها وأزماتها فانكفأ في هزيمة حزيران وخلد انتصارات تشرين وظلت بوصلته تشير إلى الوحدة العربية لان وجودها وتحقيقها هو أغلى أمانيه.

وأضاف غنيم عندما أحس سليمان العيسى بانكسارات الأمة وتشتتها وتبدد أمله بالوحدة وجد نفسه يتجه بشكل تلقائي إلى الطفولة والأطفال إذ رأى أملاً حقيقياً يعوض عن كل انكسارات الأمة في حال تم إمداد هؤلاء الأطفال بشكل يتلاءم مع عزة الوطن وحضارته سيكونون قادة حقيقيين يرتقون بالأمة لذا حاول أن يغرس كل مبادئ العروبة والأخلاق في نفوسهم.

بدورها قالت الشاعرة غادة فطوم: لم أفكر يوماً أن أكتب عن الراحل سليمان العيسى فهو الحاضر دائماً في كتبنا وصوتنا الذي تدربنا خلاله على الجمال والإلقاء وهو لحظة الوعي الأولى التي تتلمذنا عليها ورافقتنا في صباحاتنا المدرسية فاسمه كان بصمة نرددها في نهاية ما نردد من قصائد تتلمذنا عليها ومازالت طفولتنا العفوية الممنهجة بأشعاره وكلماته المرسومة على حناجرنا وكأننا تعلمنا فن العزف والإلقاء من خلالها.
وأضافت فطوم.. رغم كل ما تعرض له خلال حياته وتنقله بين اللواء ودمشق وحلب لكنه استطاع أن يحاور روح الوطن فينا ويزرع ويؤسس خلال سنوات عمره لشاعر امتد على امتداد هذا الوطن وأشعل ذاكرتنا برفض الاستسلام لعدونا المشترك لقد أسس لطفولة متقدمة جداً كما أسس لبناء إنسان ثوري يرفض العيش إلا بين السحاب خاصة بعدما ذاق مرارة التشرد وخسارة الأرض المنبت التي خرجت أولى قصائده الوطنية والعروبية فيه فقد عرف قيمة الكفاح والنضال في سبيل الأمة العربية ووحدتها وحريتها وتغنى بكل وجدانه بتلك الأمة التي لابد أنها منتصرة فهو اللوائي الانطاكي السوري القومي العربي وبجدارة.

ومن جهته أوضح الأديب نضال كرم أن العيسى كان من أبرز الشعراء العرب المعاصرين حيث تناولت أشعاره الموضوعات الوطنية فقد كرس جزءاً كبيراً من قصائده للطفولة وهم أمل الامة العربية واقترن اسمه بالكتابة الشعرية للأطفال والتي تعدُّ البنية الأساسية لفن الشعر الطفولي استلهم التراث والمعاصرة في آن واحد من خلال كتاباته والتي تتالت في إنجازاته في مجال الشعر والنثر فهو الحاضر دائماً لأنه أسس للكثير من القيم والمبادئ السامية وأسس حبنا الكبير لأمنا سورية.

وبين كرم أن شاعر الطفولة استطاع بإنسانيته ووطنيته وروحه أن يسجل خلوده قبل غيابه بسنوات مؤكداً من خلال شعره قدسية الكلمة رافعاً من شأنها بإعلائه شأن الوطن فكان خير من عبر عن طهره وعبقه وتاريخه الأصيل قائلاً: إن وطناً أنجب سليمان العيسى لن ينكسر ولن يزول ولن يضعف لأن بصماته رسخت حب الوطن وعشق الأرض والوفاء لها ولخيراتها لقد سكن الضمائر عبر أجيال مرت وهو الأكثر عطاء فكان كالأرض سكن القلوب وهو الأكثر محبة فكان أيقونة سلام كما كان مصدراً للأمل ومحرضاً على العمل ودافعاً صادقاً إليه وانطلق من ذاته فاستمر بالعطاء بصدق ووفاء.

وقال الأديب كرم: سليمان العيسى شاعر الإنسانية والوطن بامتياز سنفتقده كثيراً لكن ما تركه لنا وللأجيال القادمة سيبقى المنارة ويبقى عنوان الأصالة حاله كحال الشهداء الذين يبذلون أرواحهم فداء للوطن وهو من كتب فيهم ناداهم البرق فاجتازوه وانهمروا.. عند الشهيد تلاقى الله والبشر لذا أعتقد لم يمت ولن يموت لأنه بما تركه للمكتبة العربية وللوجدان العربي قد جعله عظيم أمة ورمزا من رموزها.. وإن كنا افتقدناه اليوم جسداً فهو بروحه متأصل في ضمائرنا ووجداننا وليس علينا إلا الحفاظ على ما تركه لنا.. العظماء لا يرحلون وسليمان العيسى لم ولن يرحل.

أما الأديب أحمد يوسف داؤد فقال إن شعر سليمان العيسى كان يحرك الشباب منذ الأربعينيات وذاكرة جميع السوريين لا يمكنها نسيان أشعاره من قصائده للطفولة الى قصائده المحرضة للشباب وتوجهاتهم السياسية والقومية فهو شاعر العروبة بامتياز وسيبقى مكانه شاغراً حتى تعود الأمة العربية الى صوابها وطريقها القويم.

بدوره يرى الشاعر نادر الأعمى أن سليمان العيسى سنديانة سورية وفينيق العروبة وهو هرم كان رفيق طفولتنا ونشيد حقولنا والناي الذي ننشده في أفراحنا وأحزاننا ومع نشيدنا الوطني قائلاً: العيسى خلد العروبة في أشعاره ومن يستطيع أن ينسى يا شباب العرب هيا.
وأضاف الأعمى.. على المستوى الشخصي كان رفيق قلبي وان لم التقيه وكان رافعة عروبتي عندما احبط من العرب والعروبة كان يعيد الي الاحساس بان العرب أمة جديرة بالحياة وان مرت فيها سنين ضياع هو من آمن ببعث الامة وعمل عليه.

بينما أشارت الشاعرة والأديبة أميمة ابراهيم إلى أن شعر العيسى يحتوي على صور وتراكيب مدهشة وجميع قصائده تحوي على إيقاع وموسيقا سلسلة تكفل سهولة حفظها أما الشاعرة طهران الصارم فتعتبر غياب العيسى طعناً في ذاكرة الطفولة وفي وجدان الجيل الذي تربى على قصائده وأناشيده لافتة إلى أن الموت لم يمح من ذاكرتنا تلك القصائد التي ساهمت في تشكيل وعينا وغرست فينا حب الوطن والأرض والمدرسة والأم.
بدورها قالت أديبة الأطفال نبوغ أسعد: لازال موقف الراحل العيسى ماثلا في ذاكرتنا منذ كنا صغارا.. فهو الذي ترك العروبة تنمو في دمائنا والقومية تتجذر في أعماقنا .. كان صديقنا عندما كنا أطفالا وعندما كبرنا وعندما رآنا منكسرين أمام واقعنا راح يذكرنا بما تعاهدنا عليه لنحافظ على آخر عهد قطعناه بالحفاظ على وجودنا وكرامتنا إذ لم يكتف العيسى بأدب الأطفال بل واكب كل همومنا وأفراحنا وظل عبق لواء اسكندرون السليب يفوح من اشعاره وطيب قريته النعيرية يتجلى في أحلامه الموجودة في أشعاره وكتاباته النثرية.
ويعد الشاعر العيسى الذى ولد عام 1921 في قرية النعيرية قرب مدينة أنطاكية في لواء اسكندرون واحداً من أبرز الشعراء العرب المعاصرين الذين تناولت أشعارهم الموضوعات الوطنية والقومية، كما كرس جزءاً كبيراً من قصائده للطفولة التي رأى فيها الملجأ الأخير لآمال الأمة العربية.
تلقى الراحل تعليمه في القرية وأنطاكية وحماة ودمشق، وتخرج من دار المعلمين العليا ببغداد، ثم عمل مدرسا في حلب وموجهاً أول للغة العربية في وزارة التربية.
وبدأ كتابة الشعر في التاسعة أو العاشرة وكتب أول ديوان من شعره في القرية حيث تطرق فيه إلى هموم الفلاحين وبؤسهم، كما شارك بقصائده القومية في المظاهرات والنضال القومي الذي خاضه أبناء لواء اسكندرون الذي غادره بعد سلخه عن سورية ليتابع مع رفاقه الكفاح ضد الإنتداب الفرنسي ودخل السجن أكثر من مرة بسبب قصائده ومواقفه القومية.
والشاعر العيسى من مؤسسي اتحاد الكتاب العرب في سورية عام 1969 أجاد اللغتين الفرنسية والإنكليزية إلى جانب لغته العربية وألم بالتركية أيضاً وشارك مع زوجته الدكتورة ملكة أبيض في ترجمة عدد من الآثار الأدبية أهمها آثار الكتاب الجزائريين الذين كتبوا بالفرنسية كما ترجم وعدد من زملائه قصصاً ومسرحيات من روائع الأدب العالمي للأطفال.

ومن أبرز أعمال الشاعر الأعمال الشعرية التي تقع في أربعة أجزاء طبعتها المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت 1995 وعلى طريق العمر معالم سيرة ذاتية طبعتها المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت 1996 والثمالات بأجزائها الثلاثة أصدرتها الهيئة العامة للكتاب في صنعاء 2001 إضافة إلى الكتابة بقاء والديوان الضاحك 2004 وقصائد صغيرة لي ولها وكتاب الحنين وثمالات5 وباقة نثر.

كما له العديد من المجموعات الشعرية المستقلة أبرزها حب وبطولة مختارات وموجز ديوان المتنبي وديوان الجزائر ودمشق حكاية الأزل وغيرها ومن أهم أعماله الشعرية والنثرية للأطفال فرح للأطفال مسرحية الشيخ والقمر أغانى النهار كتاب الأناشيد أحكي لكم طفولتي يا صغار وائل يبحث عن وطنه الكبير علي بابا والأربعون لصا علاء الدين والفانوس السحري إضافة إلى العديد من القصص المعربة والمترجمة.

وقد نال الراحل العديد من الجوائز منها جائزة لوتس للشعر من اتحاد كتاب آسيا وافريقيا وجائزة الإبداع الشعري من مؤسسة البابطين ووسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة في عام 2005 تقديراً لعطائه الأدبي والثقافي وتفانيه في خدمة الأمة العربية.

دمشق - سانا


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق