13‏/08‏/2013

«ناثان الحكيم» لليسنغ: كي تعود الأديان إلى جوهرها السموح


من أجواء «ناثان الحكيم»
«سيأتي وقت الذروة حيث لا يكون الإنسان في حاجة إلى أن يستمد دوافع سلوكه من المستقبل، مهما يكن عقله مقتنعاً بإمكانية العمل من أجل مستقبل أفضل، لأنه سيفعل ما هو صحيح لأنه صحيح لا أكثر، لا لأن ثمة مثوبات اعتباطية مرتبطة به، تلك المثوبات التي لا يقصد بها إلا اجتذاب انتباهه الشارد، وذلك لكي يدرك مثوباته الباطنية التي هي الأفضل...». هذه الفقرة المستقاة من القضية التي تحمل الرقم 85 بين القضايا المئة التي تشكل سياق كتاب «تربية الجنس البشري» للكاتب والمفكر الألماني ليسنغ، كانت لا شك في خلفية أفكار هذا الكاتب حين انصرف ذات يوم من أعوام حياته الأخيرة إلى كتابة المشهد السابع من الفصل الثالث من مسرحيته الأخيرة (والأكثر شهرة من بين أعماله جميعاً)، مسرحية «ناثان الحكيم». ففي ذلك المشهد الذي أثار يومها جدلاً واسعاً وأدى، بين تفاصيل أخرى، إلى منع عرض المسرحية في الكثير من البلدان الكاثوليكية في أوروبا، يستدعي صلاح الدين، القائد المسلم الذي كان يخوض في القدس آخر معارك الحملة الصليبية الثالثة، الشيخ اليهودي ناثان، الذي لفرط صلاحه وتسامحه كان يلقّب من قبل الشعب بـ «الحكيم». وحين يمثل الشيخ العجوز في حضرة القائد العسكري المظفر، وقد خيّل إليه أن صلاح الدين إنما يريد أن يطلب منه «قرضاً مالياً» في ظل ظروف اقتصادية سيئة، يفاجَأ «الحكيم» بالسلطان يسأله عن أي الأديان التوحيدية الثلاثة: الإسلام، اليهودية، أو المسيحية، هو الذي يملك الحقيقة دون الدينين الآخرين. هنا، على الفور ومن دون أن يشعر ناثان بأي تردد أو وجل، يجيب على سؤال السلطان بالرجوع إلى أمثولة الخواتم الثلاثة، وحكاية القاضي الذي عجز عن تحديد أي هو الحقيقي وأي هو المزيف بين تلك الخواتم وقد قدمها الإخوان الثلاثة: ذلك لأن كلاً من الخواتم بلغ، في صنعه، درجة سامية من الكمال. ما يعني أن ناثان الحكيم، عاجز - وعلى رغم كل الحكمة التي يتمتع بها - عن الإجابة بوضوح على سؤال السلطان.

> والحقيقة أن هذا الموقف كان هو الذي يشكل خلاصة تفكير ليسنغ في آخر سنواته، ومن هنا جعله جوهر تلك المسرحية الأخيرة التي كتبها في عام 1779، لتكون خاتمة مسرحياته الخمس عشرة التي كتبها في حياته. هذه المسرحيات التي لا تزال تعتبر إلى اليوم قمة ما وصلت إليه الكتابة المسرحية في ذلك الزمن المبكر، والأنموذج الذي سار على هديه بعض كبار المسرح الألماني الذين ساروا على خطى ليسنغ من أمثال كلايست وغوته. ومع هذا من المؤكد أن ليسنغ لم يكتب «ناثان الحكيم» لتمثل على خشبة المسرح، أو أنه كان يأمل ذلك على الأقل. بل إنه كتبها لتكون أشبه بوصية فكرية له. وهو قال عن هذا، في رسالة بعث بها إلى أخيه كارل، يوم 18 نيسان (أبريل) 1779، أي في اليوم نفسه الذي أنجز فيه كتابة المسرحية: «إنني أعتقد أن ناثان الحكيم هذه، ككل، لن يكون لها أي تأثير مباشر، حتى ولو قُدّمت على المسرح، وهو تقديم لا أعتقد أنه سيحدث أبداً». والملفت أن المسرحية قُدّمت متأخرة عن موت صاحبها عامين، في برلين، ولكن مع بعض التعديلات... كما قُدّمت كاملة للمرة الأولى في القسطنطينية حيث حققت نجاحاً كبيراً ما كان أحد يتوقعه، ما دعا أخا ليسنغ إلى القول لاحقاً، إن المسلمين (ويقصد أتراك القسطنطينية - اسطنبول) أنجحوا مسرحية «ناثان الحكيم» في وقت عجز المسيحيون عن فعل ذلك.

> المهم في الأمر أن «ناثان الحكيم» منذ عروضها الأولى، كما منذ نَشْرها في كتاب، اعتبرت درساً في التسامح الديني واستكمالاً لأفكار ليسنغ التنويرية الإنسانية. والملفت هنا، أن ليسنغ كتب «ناثان الحكيم» كرد فعل على حزنه على وفاة زوجته الشابة، ولكن أيضاً كمساهمة في النقاشات الدينية الحادة التي كان، قبل سنوات قليلة خاضها ضد رئيس قساوسة هامبورغ المدعو يوهان غوتسه، وأوصلها إلى الذروة في «إحدى عشرة رسالة ضد غوتسه»، محورها التسامح، ظهرت في عام 1778 في كتاب «ضد غوتسه». ولقد بدت مسرحية «ناثان الحكيم» في النهاية، أشبه بمدخل إلى كتاب ليسنغ الأشهر «تربية الجنس البشري». لأن ما أثار اهتمام المفكرين بالمسرحية لم يكن في الحقيقة، أحداثها التاريخية بل جوهرها الذي ينادي بأن الأهم ليس التسليم الأعمى بالعقائد، بل الإخلاص والمحبة بين البشر والتسامح. وكان ليسنغ يرى أنه في مثل هذا التفكير يعبّر عن الجوهر الحقيقي للمسيحية، ذلك الجوهر الذي «يقوم على المحبة الأخوية والأخلاق». وهو كان في ذلك طبعاً يعبّر عما فهمه المفكرون التنويريون لمرحلة ما - قبل - الإلحاد، من علاقة الدين بالإنسان.

> تدور أحداث «ناثان الحكيم» إذاً، في القدس إبان استعادة صلاح الدين لها على عهد الحملة الصليبية الثالثة. وهي إذ تتمركز حول إدخال ليسنغ فيها لحكاية الخواتم الثلاثة التي ترد في أول قصة من قصص «ديكاميرون» لبوكاتشيو، تنطلق من ذلك لتصبّ في محور درامي عماده اليهودي ناثان، العجوز الذي يعرفه العامة باسم «الحكيم». ولناثان هذا ابنة بالتبني تدعى ريشا تمكن أحد فرسان المعبد من إنقاذها من حريق كاد يقتلها. وبفضل ذلك الإنقاذ يقوم القائد صلاح الدين بالعفو عن الفارس الذي كان محكوماً بالموت هو وتسعة عشر فارساً آخر، خصوصاً أن صلاح الدين رأى أن ثمة شبهاً بين الفارس وبين أخيه (أي أخا صلاح الدين) الذي كان قد اختفى بصورة غامضة. وكما يحدث عادة في الروايات يغرم الفارس بريشا التي يعتقدها يهودية ولكن، من دون أن يحول ذلك دون طلبه يدها من ناثان. لكن العجوز لا يوافق أول الأمر، ذلك أنه، في الحقيقة يشتبه - انطلاقاً من معطيات معينة - في أن ريشا والفارس أخوان وأنهما ولدا أسعد شقيق صلاح الدين الأصغر. وكان أسعد قد توجه سابقاً إلى ألمانيا حيث اقترن بامرأة ماتت باكراً، بعدما أنجبت طفلة سميت بلاندين وعهد بها الأب إلى ناثان الحكيم لكي يهتم بتربيتها، فرباها بعدما سماها ريشا. وإذ يكشف ناثان هذا السر أمام صلاح الدين والشقيقين، يتوصل هؤلاء معاً، وهم ينتمون إلى الأديان الثلاثة، إلى نسـيان الهـوة التي تفـرق بينـهم - دينـياً - وتتحول المسرحية إلى درس عمـيق في التــسـامح ووحدة الرؤية والـهدف بـين الأديـان.

> لم يعش غوتهولد أفراييم ليسنغ سوى 52 سنة، هو المولود عام 1729 في مدينة كافنر، والراحل عام 1781 في برونشفيغ، لكنها كانت سنوات كفته لكي يخوض غمار الشعر والفلسفة والمسرح والنقد الأدبي. وهو في المسرح كتب 15 مسرحية على الأقل - «ناثان الحكيم» كانت آخرها وستظل أشهرها - وهو ولد ابناً لقسيس ودرس مبكراً اللاهوت واللغات ثم درس الطب قبل أن يعود ثانية إلى اللاهوت والفلسفة. وبدأ ينظم الشعر باكراً. لكن الشهرة الحقيقية بدأت تطل عليه من خلال ملاهٍ كتبها بعد ذلك بتأثير من المؤلفين اللاتينيين، محملاً إياها أفكار عصر التنوير التي آمن بها منذ صباه. وهو بعد نجاح مسرحياته الأولى توجّه إلى برلين حيث اشتغل في الصحافة وتابع كتابة الشعر والمسرحيات في الوقت نفسه الذي واصل فيه دراساته الجامعية. ثم أسس مع موسى مندلسون وآخرين، مجلة للنقد الأدبي، أشاد فيها للمرة الأولى في ألمانيا بمسرح شكسبير مطالباً بالكتابة على غراره. وبعد ذلك نراه يخوض التجارة، ثم يبدأ بنشر كتابات فكرية وفلسفية يجادل فيها رجال الدين. واهتم كذلك بالمسرح والنقد، وراح يكثف ما ينشره وقد أحس خلال سنواته الأخيرة بدنوّ أجله. وهو خلّف، إلى مسرحياته، عدداً من الكتب الفلسفية والنقدية البارزة، أهمها بالطبع «تربية الجنس البشري» كتابه الكبير الأخير.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق