13‏/08‏/2013

سوريا: رفض كل تهديدات الحداثة معتبراً اللغة العربية أيقونةً إنسانية.. سليمان العيسى: عبقرية شعرية خاطبت قصائدها طفولة العالم..ودافعت عن وجودها الحضاري



«اذكروا أني كالأطفال غنيتُ، وطاردتُ الفراشات طويلاً.. تسلقتُ الشجر.. وقطفتُ التين والرمان من بساتين جدي والقمر»..

هكذا يودعنا الشاعر للأبد كما يودع قريته في كتابه الأخير «النُعيرية قريتي-اتحاد الكتاب العرب 2012» القرية التي تركها مرغماً بعد سلخ لواء اسكندرون عن وطنه الأم سورية عام 1939 وضمه إلى تركيا زوراً وبهتاناً بعد اتفاق فرنسي- تركي على سرقة اللواء من أهله السوريين، فكأن سليمان العيسى يصر حتى آخر لحظة من حياته على تأكيد عروبة اللواء السليب، يصر على تلك الأيام التي قضاها مع رفاق عمره الأديب صدقي إسماعيل والفنان أدهم إسماعيل في أحضان تلك القرية الغافية على ضفاف نهر العاصي، فهناك تفتحت قريحة الطفل سليمان ولما يكن قد أتم السابعة من عمره على أشعار الشيخ أحمد، الأب الذي أخذ عنه ولعه بالشعر العربي، واطلاعه الواسع على كتب التراث والتاريخ، ومن هناك أيضاً تعرّف مع أصدقاء عمره على المفكر زكي نجيب الأرسوزي، الرجل الذي سيدعوه للمشاركة في اجتماعات «نادي العروبة» التي كان يقيمها الأرسوزي مع نخبة من الأحرار لمواجهة عسف سلطة الانتداب الفرنسي، والتبشير بفجرٍ عربي جديد. هناك نشأ ذلك الفتى على ثقافة مواجهة الطغيان، فمن مدارس أنطاكية السورية انتقل مع العشرات من رفاقه بعد سلخ اللواء، إلى حلب واللاذقية وحارم ودمشق، ومنها إلى بغداد حيث تخرج العيسى من المعهد العالي للمعلمين في بغداد، مشتغلاً مع رفاق عمره الأخوين إسماعيل والأرسوزي على نشر الوعي القومي في أوساط الشباب العراقيين، ليتعرف في عاصمة بلاد الرافدين على رواد الحداثة الشعرية العربية: نازك الملائكة، وبدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، وعن تلك المرحلة يقول الشاعر الراحل: «كنا نحلم..أنّا سوف نهزُ الشمس، فتسقطُ في أرض الفقراء، بيادر من قمحٍ وغلال».

هكذا كان يكبر وعي الشاعر العربي، فمن مدينةٍ إلى مدينة، ومن بلد إلى بلد، كانت دمشق هي المدينة التي عاش فيها العيسى أجمل أيامه، فرغم قسوة الحياة، وشظف العيش، كان الرجل قادراً مع رفاق عمره وعلى رأسهم وهيب الغانم أن يتقاسموا غرفتين بحي السبكي، يصغون ليل نهار إلى تعاليم أستاذهم زكي الأرسوزي، ناقلين جذوة الفكر القومي إلى مدرسة التجهيز( جودت الهاشمي)، ومنها إلى مدارس العاصمة وشتى المدن السورية، مشاركاً في تأسيس حزب البعث في السابع من نيسان عام 1947 في مقهى الرشيد الصيفي بدمشق، وجريدته الأسبوعية «البعث» التي كان العيسى يخط صفحاتها الست عشرة بيده، حيث كان الشاعر واحداً من أول أربعة بعثيين يدخلون السجن، بعد تظاهرات عارمة نظمها العيسى مع رفاقه ضد سلطة المستعمر الفرنسي. يقول العيسى عن تلك المرحلة من حياته: «أعتزُ بشيءٍ واحد، هو أحلامي التي كانت وراء كل كلمةٍ قلتها في حياتي، ولا أرى لحياتي معنى من دون حلم، ومنذ أن رفعني المناضل زكي الأرسوزي بيديه ووضعني على منبر (نادي العروبة) في أنطاكية لألقي أولى قصائدي في جمهورٍ حاشد؛ إبان انتفاضة اللواء، وأنا تلميذٌ في المدرسة الابتدائية، إلى آخر كتاب شعري وضعته (النُعيرية قريتي) أشعر أن ربة الشعر واحدة في حنجرتي، يخفتُ صوتها ويقوى، ينكسر ويشتدُ، يصمتُ حيناً ويعاود الغناء، ولكن الكلمة هي الكلمة، والغناء هو الغناء، والنسغ الذي جرى يوماً في العروق لا يزال يجري، فمن طبيعة الشجرة أن تعيش بنسغها، فهي لا تستطيع له تغييراً، ولو غيّرته لزوّرت حياتها كلها».

لقد صقلت الحياة التي عاشها العيسى على امتداد اثنين وتسعين عاماً بين التدريس والكتابة والترجمة والنضال القومي، وعبر عشرات المؤلفات الشعرية والأدبية تجربته الإبداعية، ناقلاً جمال اللغة العربية وأصالتها المعرفية إلى أجيال الطفولة التي تربت على أشعاره، وأناشيده، إذ كان ديوانه «مع الفجر- حلب 1952» من أوائل الكتب الشعرية التي أجادت الصنعة الفنية في بناء القصيدة العربية، ليتبعها بكتابيه « شاعر بين الجدران- و أعاصير في السلاسل- بيروت- 1954» متمماً صوتاً شعرياً لافتاً في ديوان الشعر العربي المعاصر، ناقلاً أفكاره عن العروبة وإنسانها وحركته الدائمة في التاريخ، من هامش إلى متن، ليفاجأ قراء الخمسينات والستينات بنصوص الرفض والعصيان، والتمرد على الظلم الاجتماعي، لاهثةً بحقوق الفقراء والمستضعفين على امتداد الأرض العربية، ليكون القارئ من جديد أمام نصٍ شعري متدفق بغنائيته الخاصة، وفي سبكه للصورة الشعرية بعذوبة قل نظيرها، لاسيما في كتبه : « ثائر من غفار- بيروت – 1955- رمال عطشى- بيروت 1957- الدم والنجوم الخضر- بيروت- 1960» لتكون هذه المؤلفات بمنزلة منعطف جديد للقصيدة العربية المعاصرة، حيث كان للشاعر سليمان العيسى آراؤه النقدية الفذة في كتابة الشعر، إذ يقول في أحد حواراته مع الصحافة: « لا أستطيع أن أتصور إنسانية بلا شعر، ولكني مع هذا لستُ شاعراً، أنا خلية في جسد، تبحث عن ملايين الخلايا من أخواتها، وتكافح بلا هوادة، لكي يتحرك الجسد، وتتفتح الحياة، وجسدي هو أمتي، هذه الأمة العربية العظيمة المنكوبة الممزقة، والتي مدت جذور الحضارة بيني وبين العالم، منذ وجد العالم وكانت الحضارات، ومن هنا تبدأ قصة الشعر في حياتي، ومن هنا ستنتهي».

من المجحف القول إن التجربة الشعرية لهذه القامة الإبداعية السورية كانت تحت رداء الأيديولوجية، بل على العكس تماماً، لقد كانت أشعار هذا المبدع غنيةً ببعدها الإنساني، وفي هذا الصدد يقول العيسى: «لم تكن في حياتي سياسة في يومٍ من الأيام، هذه الكلمة أراها ضد الشعر في امتياز، فأنا طفلُ مشرد من لواء اسكندرون، رأى نفسه ذات يوم يُقلتع من تحت شجرة التوت التي تظلل باحة داره، ويُلقى في أحضان الغربة، بعد اقتطاع بلده الصغير، مسقط رأسه، ومنذ ذلك الحين فتحت عينيّ على حلمٍ عربي كان محور حياتي وشعري، ومازلتُ مصراً على هذا الحلم الذي تدور حياتي وشعري حوله، فهل يمكن أن تدخل هذه الكلمة المراوغة (السياسة) في مثل هذا المجال؟». من هنا يمكن قراءة تلك الكتابات الشعرية الرائقة، تلك القريحة اللغوية لسليمان العيسى، بعيداً عن التصنيفات، حتى إن تصنيف أشعار العيسى ضمن ما يسمى بـ «الشعر الملتزم» تبدو بعيدة، عن فهم حقيقي لتجربة هذا المبدع، ومجافيةً لحقيقة التصاق العيسى بهموم الإنسان العربي، وهواجسه المعاصرة للمشاركة الفعلية في بناء حضارة العالم، فلقد رفض الشاعر أي إحالةٍ لكتاباته إلى أدب اشتراكي واقعي وشعر ملتزم وقصيدة كلاسيكية، قائلاً على الملأ: «لا أحب كلمة ملتزم، ولا كلمة التزام، لأني أرى التعبير مصطنعاً مهما أجيدت صياغته، كانت الجماهير العربية ومازالت قصيدتي الأولى أعطتني أكثر ما أعطيتها، فمهمة الكلمة أن تتحول إلى طاقةٍ وفعل، فالكلمة ليست مجرد شكل لفظي، يتألف من حروف وإيقاعات صوتية، إنها جزء لا يتجزأ من وجودنا، من حقيقتنا، من سلوكنا اليومي، فإذا لم تحمل رصيداً من هذه الحقيقة، ظلت شيئاً يدور في الفراغ، ولا يترك أي أثر، فالكلمة هي الإنسان».

إن هذا الفهم الذي يعكسه الشاعر لبنية القصيدة العربية المعاصرة يلقي بظلاله على مختلف مؤلفاته الشعرية التي جاءت في سبعينيات القرن الفائت، بلغةٍ يصفها بعض الخبثاء بالخطابية، والركون إلى أصولية الشكل الشعري العربي، بيد أن هذه التهمة سرعان ما تتهدم أمام قصيدة العيسى التي كانت بحق وثيقة زمنية عن عصر بأكمله، وفي هذا نقرأ رد الشاعر على من اتهم أشعاره بالخطابية: «إنني لا أستطيع أن أتصور قصيدة تقال دون أن يكون لها سامع أو متلقٍ تتجه إليه، وإلا فلمن تقال القصائد؟ ولماذا تقال؟ منذ خيمة ( الأدم) التي كانت تُضرب للنابغة الذبياني في سوق عكاظ، إلى آخر قصيدة حديثة ألقاها شاعر من الشعراء الشباب، كان شعرنا العربي يخاطب الناس، محاولاً تسجيل همومهم، حاملاً إليهم أفراحهم وأتراحهم، ومطامحهم وأحلامهم». إلا أن ما يؤكد على عمق التجربة الإنسانية لصاحب «الديوان الضاحك- بيروت 1979» هو هذا الفيض الشعري العارم لكتابة قصيدة الأطفال، تلك القصيدة التي تمردت هي الأحرى على نمطية النصوص المترجمة، ناقلةً تلك الروح العالية للشاعر، وقدرته الفنية في صياغة نص طفولي اجترح مساحته  الخاصة به من عذرية النص، وطلاوته، وابتعاده عن البرجزة اللغوية، والحذلقة في الصورة، لتكون كتب العيسى الشعرية للطفل العربي أيقونة لا ترد في اختزال العالم، وأنسنته، وتطهيره من البشاعة اليومية، حيث أذكر منها: «ديوان الأطفال –دمشق – المستقبل –مسرحية شعرية- النهر- مسرحية شعرية –دمشق- 1969»، إضافةً لكتبه: « أناشيد للصغار- الصيف والطلائع- وزارة الثقافة- 1970- القطار الأخضر- مسلسل شعري- بغداد- 1976» و«غنوا أيها الصغار-اتحاد الكتاب-دمشق 1977» –«المتنبي والأطفال- دمشق-1978». مؤلفات عديدة حققها هذا المبدع الكبير، تاركاً إرثاً شعرياً لن يتكرر، في رحلةٍ قطعها مع رفيقة دربه الشاعرة ملكة أبيض، ليطفأ الموت عيني الشاعر الطفل، بعد قرابة قرن من حلمٍ راوده، حلم العمر الحنون الذي كابده العيسى بانكساراته وانتصاراته وخيباته القومية الكبرى، لكنه بقي متمسكاً به، شاهراً صوته الشعري في وجه القبح العمومي، مصراً على الشخصية العربية، رافضاً الامتثال لتهديد الحداثة..

سامر محمد إسماعيل 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق