13‏/08‏/2013

فلسطين: لِكوْكبةٍ مِنْ فنّاني وفنّاناتِ أعضاء جمعيّة إبداع... منتدى الحِوارِ الثّقافيّ في عسفيا الكرمل يستضيف مَعرضَ لوحاتٍ فنّيّةٍ بعنوان: « بُوحِي ذاتي»

بعنوان: « بُوحِي ذاتي»

القدس - القدس الثقافي:

استضاف منتدى الحِوارِ الثّقافيّ في عسفيا الكرمل جمعيّة إبداع- كفرياسيف لتطوير الفنّ المرئيِّ في الوسطِ العربيّ، وذلكَ في رِحاب جاليري مركز تراث »البادية- عسفيا، حيثُ أقامتْ مَعرضَ لوحاتٍ فنّيّةٍ بعنوان: » بُوحِي ذاتي»، لِكوْكبةٍ مِنْ فنّاني وفنّاناتِ أعضاء جمعيّة إبداع: بدّورة عزّام، تغريد حبيب، ختام هيبي، دنيا مجدوب، سناء توما، عبد الهادي صباح، فضل الله فرهود. وقد حيا الحضورَ الأستاذ رشدي الماضي بكلمةٍ ترحيبيّة، بعدما دَعاهُم للوقوفِ دقيقةَ حدادٍ، في ذِكرى زميلِنا المَرحومِ الأديب
د. جَمال قعوار، ثمّ قال: 

مع كلّ التّبايناتِ والتّوجّهاتِ الموْجودةِ بالنّسبة للحداثةِ وتأييدِها أو رفضِها، فنحنُ نبقى أسرةً واحدةً، فالثقافةُ هيَ الخندَقُ الّذي مِن خِلالِهِ نُناضِلُ مِن أجْلِ الوُجودِ والبقاءِ وبناءِ المُستقبلِ البَديل، فنحنُ كأفرادٍ نُواجهُ الكثيرَ مِنَ القضايا والكثيرَ مِنَ الألغام، فنحنُ نَعيشُ في عالَمٍ غامِضٍ، فيهِ الكثيرَ مِنَ الأمورِ غيرِ الواضحة، إنْ كانَ على المستوى الفرديِّ أو المستوى الجَماعيّ، وبما أنّ العملَ الثقافيَّ هوَ دائمًا مُنخرِطٌ معَ العملِ الاجتماعيّ، وفي حراكٍ دائمٍ. فلذلك، أحَدُ الأهدافِ الرّئيسةِ الّتي يقومُ بها المُبدعُ، إن كان شاعرًا وأديبًا ومسرحيًّا ورسامًا وفنّانًا وكلّ أنواع الإبداع، فهو يُساعدُ القارئَ على إيجادِ الأجوبةِ لكثيرٍ مِنَ التّساؤلاتِ، فنحنُ مِنْ خِلالِ ما نراهُ مِنْ صُورٍ، وما نقرؤُهُ مِن إبداعٍ أدبيٍّ، نجدُ أجوبةً عن البيئة الّتي تُحيطُ بنا، وعن الحاضر الّذي نعيشُهُ، ويَرسمُ لنا مَعالمَ الطّريقِ المُستقبليّة، وهذا جدًّا مُهِمٌّ. 

نحنُ اليومَ في عالَمٍ يَختلفُ عمّا كانَ عليْهِ قبلَ سنواتٍ، والتّحدّيات الّتي نُواجهُها إن كُنّا كِبارًا أو صِغارًا، هيَ تَحدّياتٌ مِن نوْعٍ آخَرَ، ولذلك نحنُ بحاجةٍ إلى الكثيرِ مِنَ المَعرفة، حتّى نفهمَ أسرارَ وألغازَ الواقعِ الّذي نعيشُهُ، كي نُعَبِّدَ الطّريقَ إلى مُستقبلٍ مُضيءٍ.
أنا أتحدّثُ عن جَميعِ المُواطنين، بِغَضِّ النّظرِ عنِ انتماءاتِهِم الدّينيّةِ والحِزبيّةِ وغيْرِها، فالإبداعُ هوَ وطنٌ يَعيشُ فيهِ الجميعُ، ولا فرْقَ بينَ إنسانٍ وآخَرَ، ونحنُ اليوْمَ مَحَلِّيًّا، وَصَلْنا بالحركةِ الثّقافيّةِ والإبداعيّةِ والفنّيّةِ بكلِّ أنواعِها، إلى مُستوًى راقٍ نَفتخِرُ بهِ، وهذا لا يَعني أنّنا وَصلنا إلى القمّة، فهناكَ الكثيرُ ممّا علينا أنْ نصنَعَهُ وَنُطوّرَهُ، فنحنُ لا نَقِلُّ عمّا هو في العالم العَربيّ إنْ كانَ في بعضِ الأشياء، إنْ لمْ تَزِدْ عن ذلك، لذلك أعتقدُ أنّ هذهِ اللّقاءاتِ والنّدواتِ في البلادِ هي وسيلةٌ أخرى للإثراءِ والمَنفعةِ الّتي تعودُ علينا جميعًا، وهذا واجبٌ وطنيٌّ نقومُ مِنْ خِلالِهِ فعلًا، ليسَ فقط بتشخيصِ الحاضر، وإنّما أيضًا بإيجادِ الحُلولِ لبناءِ غدٍ بديلٍ أفضلَ للأجيالِ القادمة.
وفي مُحاضرةٍ نوعيّةٍ للدكتور فهد أبو خضرة، حولَ حَركَتِنا الثّقافيّةِ إلى أين فقال: 

الثقافةُ بشكلٍ عامٍّ إلى أينَ، وجُمهورُنا إلى أين؟ هذا الأمرُ يَحتاجُ إلى انتباهٍ شديدٍ جدًّا، لأنّ ثقافةَ الجُمهورِ عندَنا تتدَهورُ بشكلٍ سريعٍ جدًّا، وما كانَ في سَنواتِ الخمسينَ مِنْ قُرّاءٍ وَحضورٍ للمَهرجاناتِ، فإنّهُ اليومَ يَتّجهُ نحوَ الصّفر إنْ لم أكُنْ أُبالِغُ، وما يَنطبقُ على مُجتمَعِنا في هذهِ البلادِ، يَنطبقُ على عالمِنا العربيِّ كلِّهِ، والكتاباتُ بشكلٍ عامٍّ تسخَرُ مِنْ ثقافةِ الجُمهورِ في العالم العربيّ، فقد كانتْ هناكَ إحصاءاتٌ حولَ قِراءاتِ الأطفالِ مَثلًا على سبيلِ المِثال، فوَجَدوا أنّ الطّالبَ السّوفييتيّ يقرأ حوالي 45 كتابًا سنويًّا، وفي أوروبا يقرأ خمسة عشر كتابًا، والطّالبُ اليهوديُّ في إسرائيلَ يَقرأ أربعةَ كُتبِ، وفي العالمِ العربيِّ كان مُسَجَّلٌ في تقريرِ اليونيسكو، أنّ الطّالبَ العربيَّ يقرأ سَطرَيْنِ، فالكاتبُ المِصريِّ عبد التّوّاب يوسف علّق على ذلكَ قائلًا: أنتم تبالغون، بل كلمتيْنِ وصورة، هذا كلُّ ما يَقرؤُهُ الطّالبُ العربيّ.
إنّ كاتبَ الرّواياتِ الجيّدَ في أوروبّا يَبيعُ بحُدود خمسة ملايين نسخة، ففي فرنسا هكذا الوضع دون شكّ، فهذه إحصائيّاتٌ ثابتةٌ، لكن نجيب محفوظ الأديبُ الكبيرُ والرّوائيُّ العظيم، والّذي حازَ على جائزةِ نوبل، اعترفَ أن مذبولي يَطبعُ لهُ فقط ثلاثة آلاف نسخة مِن كلّ رواية، يُوزّعُها لكلّ العالمِ العربيّ؛ لـ 340 مليون عربيّ، فأخذهُ مِن يَدِهِ إلى مَخزن المطبعة، وأراهُ أنّ هناكَ ألفَيْنَ نسخةً مِن كلّ رواية، فهذا ما بيعَ في العالم العربيّ حتّى والحمدلله، بينما في فرنسا الّتي تَعُدُّ 70-75 مليون نسمة، يُباع فيها مِنْ كلّ طبعةٍ خمسةَ ملايينَ نسخةً، وفي هذه البلادِ إذا كان هناكَ خمسمائةَ قارئٍ حقيقيٍّ، فبلادُنا بخيرٍ.
في سنواتِ الخمسينَ، عندما كانتْ تُقامُ المَهرجاناتُ في النّاصرة وكفرياسيف والقرى الأخرى، كانَ الحضورُ بالآلافِ، مع أنّ عددَ السّكّانِ العربِ في ذلك الوقت، كانَ فقط مِئتَيْ ألف عربيّ، واليومَ نَعُدُّ حوالي مليون ونصف المليون عربيّ في البلاد، ومع ذلك، فأنتَ لا تجدُ أكثرَ مِن عشراتِ الأشخاصِ في المُؤتمَراتِ والنّدواتِ الأدبية.
ومِنَ الطّرائفِ السّاخرةِ بمرارةٍ حوْلَ هذا الموضوع، ما دوّنتهُ إحدى المجلّات، وهو أنّهُ اقتُرِحَ مؤتَمرٌ أُقيمَ في العراق، فكانَ الحضورُ لا بأسَ به، وحين وَصَلَ المؤتمرُ إلى سوريا، كانَ العددُ أقلُّ بكثير، وقلَّ أكثرَ بكثيرٍ حينَ وصَلَ إلى الأردن، وفي مصرَ لم يكُنِ الحضورُ أكثرَ مِن عشرةِ أشخاص، وحينَ وَصلَ المؤتمرُ إلى ليبيا، لم يكُنْ هناكَ سوى شخصٍ واحدٍ فقط في القاعة، فنزلَ أحَدُ المُنظِّمينَ يَشكُرُهُ لحضورِه، وإذا بهِ البوّابُ، كانَ يَنتظرُ خروجَهُم لِيُقفِلَ القاعة.
معَ هذهِ السخريةِ المُرّةِ، فهذا الأمرُ لهُ أسبابُهُ، فحتّى سنواتِ الخمسين، كانَ الأدبُ العامُّ أدبًا كلاسيكيًّا، والجمهورُ العربيُّ كانَ جمهورًا كلاسيكيًّا، وكانَ هناكَ توافُقٌ بينَ ما يُنتَجُ وبين ما يُقرَأ، وكانَ القارئُ يَستطيعُ أن يقرأ ويُتابعَ ويَفهمَ ما يُقالَ. وكصورةٍ إيجابيّةٍ في زمنِ أحمد شوقي، كانَ يَنشُرُ قصيدةً كلَّ يوم إثنيْن في جريدةٍ ما، وكانَ النّاسُ كلّ يوم إثنيْنِ يَقفونَ بالدّوْرِ لِيشتروا الجريدة، ولم يكُنْ يَبقى منها عددٌ واحدٌ. فلماذا تغيّر الأمرُ؟ ومتى تغيّر؟ 

في سنواتِ السّتّين بدأت حركةُ الحداثةِ، فبدأ الأدباء يَكتبونَ أشياءَ، والقرّاءُ لا يَفهمونَ منها شيئًا، وهكذا بدأتْ مرحلةُ الانقطاعِ عن القراءةِ، وهذا كان سببًا مُهِمًّا. وما يُلفِتُ النّظرَ في هذا الوَضعِ هو كالتالي، أنّ أحسَنَ إنتاجٍ مِن ناحيةِ التّقييم هو إنتاج جيّد. هؤلاء الأدباء الّذين يَكتبونَ أشياءَ لا تُفهم، ولذلك، فإنّ المُرشّحَ الأوّلَ للشّعرِ لجائزةِ نوبل كان أدونيس، وأدونيس لا يُقرأ، وهو نفسُهُ يَقولُ: إذا وَجدتُ لي مئة قارئٍ مِنَ العالمِ العربيّ، فأنا أَعتبرُ نفسي مَقروءًا جدًّا. النّقدُ يقولُ إنّ أدونيسَ مِن أحسَنِ الشّعراء، والقارئُ يَقولُ إنّ أدونيس لا يقولُ شيئًا. وهناكَ كتاباتٌ في مصرَ تعتبرُهُ القمّةَ، وكتاباتٌ أخرى تقولُ إنّ أدونيسَ ليسَ شاعرًا. 

هذا الوضعُ استمرّ حوالي ثلاثينَ سنةً، مِن سنواتِ السّتّين حتّى سنواتِ التسعين. بعدَ سنواتِ التسعين صارَ تحَوُّلٌ جديدٌ نحوَ وسائلِ الإعلام، وهذا سنَبني عليْهِ استنتاجًا فيما يلي، فالإنترنت وكلُّ توابعِهِ هو الّذي يُقرأ بينَ النّاس، وهوَ إنتاجٌ غيرُ مُراقَبٍ وغيرُ قابلٍ للتقييمِ الصّحيح، فهناك أشخاصٌ يَنشرونَ، وأصبحَ لهذهِ الكتاباتِ أصولٌ مُعيّنةٌ وخفيفةٌ تصلُ إلى الجُمهورِ بسرعةٍ، ويَجدُ القارئُ بها شيْئًا. لكنّ اللّغةَ بدأتْ تظهرُ مُهمَلةً ودونَ قيودٍ أو حدودٍ ودونَ رقابةٍ، بمعنى، صارَ أدبًا غيرَ خاضِعٍ للمُراقبةِ والنّقدِ والتقييم، وهذا يُعطي فكرةً غيرَ صحيحةٍ إطلاقًا عنِ الوضعِ الأدبيّ، فأدباؤُنا الكبار لا يَنشرونَ في هذه الوسائلِ، ولا يُقرؤون، والّذين يَنشرونَ هُمْ مِنْ أدباء الجيلِ الجَديد، أو مِنَ الجيلِ الّذي سبَقَ الجديدَ بقليلٍ، وتأثّر بالحداثةِ وما بَعدَها تأثُّرًا واضحًا جدًّا. أنا أُميّزُ طبعًا بينَ الحداثةِ وما بَعدَها، فالحداثةُ في بدايتِها كانتْ عقلانيّةً، وما بَعدَ الحداثةِ صارتْ خارجَ العقلِ، بل وغُيِّبَ العقلُ تمامًا، فهي فرديّةٌ وفيها خُروجٌ عن كُلِّ المألوفِ، وفيها هدْمٌ لكلِّ ما كانَ موجودًا، وفيها انقطاعٌ عنِ الأشياءِ الّتي يَجبُ أنْ تُقيَّمَ تقييمًا صحيحًا. 

عمليًّا، نحنُ خرَجْنا عمّا نُسمّيهِ الأدبَ، فثقافةُ اليوم هي ليستِ الثقافةُ الّتي كُنّا نريدُها، وهذا الأمرُ قد يَعتبرُهُ البعضُ غيرُ إيجابيٍّ، والبعضُ الآخرُ قد يَعتبرُهُ إيجابيًّا جدًّا، فالّذي يُقيّمُ اليوْمَ هو وليسَ النّاقد، بل القارئ العاديّ، والّذي ثقافتُهُ العربيّةُ والتراثيّةُ ضحلةٌ جدًّا. فلو سألتَ عن ثقافتِنا وأين هيَ اليوم، ستجدُ تقييمًا مُختلفًا تمامًا عن التقييمِ المُتوقّع، فالأدبُ العميقُ والجادُّ اليوْمَ، هو ليسَ أدبًا مَقروءًا، والأدبُ الخفيفُ الّذي يُمكنُهُ أنْ يجذبَ القارئَ البَسيطَ العاديّ، هوَ الأدبُ المَقروء. فهل هذا الأمرُ موجودٌ في أوروبّا؟ 

طبعًا لا، فما زال الأديبُ الّذي يَكتبُ أدبًا عميقًا وجادًّا هو الأديبُ المَطلوبُ، وحتّى الأدبَ الكلاسيكيَّ ما زالَ مطلوبًا حتّى اليوم، فالكِتاباتُ الّتي كُتبتْ قبل 150 سنة، ما زالتْ تَحتلُّ قائمةَ المَبيعاتِ العُليا وتُباع بالملايين، فلماذا إذن نحنُ نختلفُ عن هؤلاء؟ لأنّنا نحنُ لم نَبْنِ أساسًا لهذا التطوُّرِ، فجاءَ التطوُّرُ قفزًا وبتأثيرِ قوى خارجيّةٍ، فقفزْنا باتّجاهِ الحداثةِ، واليومَ نحنُ ليسَ عندَنا حداثة، بل استوْرَدْنا الحداثة، والقارئُ العاديُّ لا يستطيعُ أن يُسايرَها ويقرأَها، واليومَ نجدُ الكتاباتِ الخفيفةَ تُعيدُ القارئَ إلى القراءةِ والكتاب، ولكن ليسَ هو الأدبُ الّذي نريد، واليومَ عندَنا كُتّابٌ ممتازونَ وشعراءُ ممتازون، ولكن لا أحدَ يقرؤهم، فعددُ القُرّاءِ قليلٌ جدًّا، وهذا يُؤثّرُ سلبًا على الحركةِ الأدبيّةِ عندنا، ويجعلُ الأدبَ يُقيَّمُ تقييمًا غيرَ مقبولٍ إطلاقًا، فالكتبُ الجادّةُ الّتي يجبُ أن تكونَ هي الأساس، يَجعلُها الكُتبَ الفرعيّةَ الثانويّة الّتي تُترَكُ جانبًا، وطلّابُنا لا يقرؤونَها ولا يَسمعون باسْمِ كاتبيها. 

اقرأ المقالة كاملة هنا:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق