31‏/07‏/2013

جدتـي .. مكتبة متنقلة


 تشرين - جواد ديوب:

ربما في فجر التاريخ أو في المجتمعات التي نسميها بدائية، حيث يجتمع الرجال والنساء على شكل جماعات شعرية، ليرووا قصص آلهة القبيلة وأسلافها غناءً وموسيقا تنسج علاقتهم بالأحياء والأموات الموجودين بينهم كجزء من القبيلة،

 وحيث يكون «الشعر والدين والعلم والسحر والغناء والرقص أمراً واحداً شاملاً» في هذه الحال، وبحسب الشاعر أوكتافيو باث، لا يعود مهماً إن لم يقرأ الشعرَ أو الكتبَ سوى قلة من الناس، «فالحفاظ على الذاكرة الجمعية من جماعة ما، ولتكن صغيرة، هو سجل خلاص حقيقي للمجتمع بأسره، فبمعونة هذه السجلات تعْبر الثقافاتُ والتقاليد بحارَ الزمن».

بالفعل لقد كانت جدتي مكتبةً متنقلة، مكتبةَ نصوصٍ أدبية، ومكتبة موسيقية، أو بالتعبير التكنولوجي الحديث، كانت فلاشة، كرت ذاكرة بمئات الغيغابايت، كمبيوتراً محمولاً... كانت تمتلك ربما ألف بيت من الشعر تلقيه غناء أو إنشاداً أو مموسقاً بإيقاعاتِ حزنها العتيق وحشرجات صوتها كأنه هدير موجٍ بعيد، تلقي حكاياتها أمامنا نحن أحفادها المدهوشين غير المدركين للمعاني الحكيمة في كل كلمة تنطقها، وكانت لديها ذاكرة بصرية ثرية فكانت تعرض أمام مخيلاتنا مئات المشاهد السينمائية من «سيرة الزير سالم أبو ليلى المهلهل»، إلى قصة «السيف بن ذي يزن»، إلى سيرة «عنترة بن شداد»، إلى حكايات «ألف ليلة وليلة»... كل ذلك وهي تحضننا بثيابها كما تحضن الدجاجة أفراخها، وتلفّنا برائحة الحطب المعتق فيما نحن نعيش العالم مرتين، ونستشعر السعادة مراراً، ونغفو على صوتها الحنون، بينما الأميراتُ والساحرات والكنوز الذهبية واللصوص الظرفاء والقراصنة والسلال المليئة بالفواكه، والخيول والثعالب الماكرة والنوارس البحرية وشباك الصيد والأسماك والحيتان الضخمة تملأ أفكارنا وأحلامنا. ننام أبداً لا كما الآن حيث أخبار السياسة والاقتصاد والتقطيع والانهيارات والكوارث والفجائع تثقب معداتنا وتنخر عظامنا وتتسبب بجلطات دماغية حتى ونحن نيام....
يقولون في المثل الشعبي: «اللي ما عندو كبير، ما عندو تدبير»، فالحياة الكريمة تقتضي الحكمة في كل شيء، الحكمة في «إدارة ما نمتلك» أو في معرفة كيف نفرح بما عندنا، وليس فقط في تخزين الأشياء وتكديسها بدءاً من الأطعمة مروراً بالمال وانتهاءً بالمعلومات، أن نتصرف بما نجنيه كما يفعل النمل، إذ وفق غريزته وحكمة الطبيعة المتكورة في هذا المخلوق الصغير جدا، تصبح كل ذرّة سكر وكل ذرّة من فتات الخبز المتروك خلفنا بغير اكتراث، حياة كاملة له، هي البقاء أو اللا بقاء، أن يكون أو لا يكون... ومن قال أنه ليس لدى النمل شكسبيره الخاص؟

وجدتي تقول بلهجتها القروية: «يا ابني زاد واحد قدّى تنين»، وكنت أحملق فيها كي تفسر لي ما قالت، لأكتشف المعنى فيما بعد بأنه: زاد، أي (طعام) شخصٍ واحد يكفي لإطعام اثنين»، والحكمة من وراء ما قالته ليس في التقنين والتقتير أو في البخل كعادة وطبع شخصي كما كنت أظن، إنما في جمالية مشاركة الآخرين ما نأكل وما نشرب وما نعيشه، جمالية أن نتشارك سعاداتنا الصغيرة البسيطة فنحوّلها بقدرة الوجود المشترك في فضاء المكان إلى لقمة طيبة وإلى ذاكرة لا تنسى بأننا يوماً تقاسمنا خبزنا مع أحدهم أو إحداهن. وأعتقد أن هذا ما تكاد تقضي عليه التكنولوجيا الحديثة، أو عالم الميديا الاجتماعية أو «social media» والتي رغم كل ما نعرفه عن فوائدها، إلا أنها تبدو لي بعيدة كل البعد عن الحالة الاجتماعية التي عشناها بسعادة غامرة في طفولتنا تحت جناح الأجداد والجدات، أو حين كنا نعد نجوم الليل من على سطوح البيوت الطينية في الضيعة بدلاً من أن نغرق في عدد التعليقات (comments) أو عدد الأصدقاء الفيسبوكيين الهلاميين.

جدتي الشاعرة بالفطرة، كانت ترسم منمنمات أرواح أحفادها بألوان الماء، كلماتها موسيقا، فاللهجة وطريقة إلقائها تحمل سحرها الخاص، لها موسيقاها السائلة بين أحرف الأبجدية، وكأنها حبلٌ سريّ يربط بين أفكار كتابٍ متباعدين في الزمان والمكان، كأنها روحٌ هائمةٌ تتقمّص أجسادَ الأقلام والكتب تاركةً فينا إبداعَ كل أسلافها العظماء.

لقد نسي بعض الآباء العصريين، حين اكتشفوا أن في إمكانهم الغوص في الشبكة الافتراضية، كما تشتهي خيالاتهم الأكثر سريّة، كيف يربون أولادهم على أهمية القراءة، ومعنى أن «تبني» مكتبةً في البيت تماماً كما تبنى أساساته ودعائمه، كما فشلت بعض الأمهات الحديثات في أن يحكين الحكايات لأبنائهن حين تعرّفن على الإمكانية اللانهائية لـ«الثرثرات» و«التغريدات» و«الكومينتات» و«التشاتات»، معتقدات أن «سيليكون» العلاقات الافتراضية سيجعلهن أجمل مما منحتهن إياه جيناتهن الحقيقية، وأن إخفاء وجوههن وأسمائهن وأعمارهن فيسبوكياً سيجعلهن أكثر عمقاً معرفياً وأكثر ثقافةً بالنسبة لأولادهن! فامنحوا أطفالكم كتباً كإهداء على تفوقهم في الدراسة، ليعلموا بأن الكتاب قيّمةٌ في حد ذاته، وأنه ثمينٌ كأي هدية ماديّة أخرى، امنحوهم جلساتٍ حميميةٍ لتحكوا لهم فيها عن ماضيكم وعن تجاربكم، ولكي يرووا لكم أنتم حكايات يؤلفونها من خيالاتهم، وليقرأوا لكم قصصاً درّبوهم أن يستعيروها من مكتبة المدرسة أو من أي صديق لديه مكتبة حتى لو لم تكن لديكم القدرة على شراء كتاب واحد.

الجدات والأجداد، إن وجدوا في البيوت، والآباء والأمهات إن حالفهم الحظ الطيب بوجود هؤلاء الكبار في بيوتهم، هم تاريخٌ واختزالٌ وتجديدٌ في الوقت نفسه لمكتبة كونية متنقلة يزرعونها في عقول الأطفال كما كانوا يزرعون القمح والزيتون، بل كما كانوا يزرعوننا ويخبزوننا على نار الحب، ليقولوا لنا إننا مازلنا أطفالاً في هذا الكون العجوز، ومازلنا نحتاج لهدهدةِ الحكايات، تماماً كما نحن بحاجة للقراءة وللكتب كي نهدأ من رعب أننا زائلون، فننسى وننام. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق