24‏/07‏/2013

سوريا: يلتزم المجمع بأصولها ويسعى المختصون لتحريرها... لماذا تقصر العربية عن مواكبة التكنولوجيا؟

 
تشرين - نجوى صليبه

الحديث عن اللغة العربية قديم حديث، قديم لكونه موضوع أسلافنا الذين بينوا أصول اللغة وحقيقتها ودورها في حياة الأمة، وجديد لما نجده من اهتمام الأمم الناهضة قاطبة بلغاتها والعناية بها خير عناية،

 فتقصير ناطقيها سواء مرسليها أو متلقيها أوصلها إلى حالة جعلها مقصرة عن مواكبة عصر التكنولوجيا.
تقصير اللغة العربية تهمة يرفضها مجمع اللغة العربية في دمشق ومن خلفه أشقاؤه في تسعة أقطار عربية أخرى، وحقيقة يثبتها القائمون عليها من مختصيها ومدرسيها.
لو مسكنا الخيط من أوله لوجدنا مناهج حديثة تغرق الطفل بكم كبير من اللغات الفرنسية العربية والإنكليزية, يقول زكريا الطويل - دراسات عليا في النحو والصرف- مدرس لغة في معهد شام: «كيف للعربية أن تستقر في ذهن طالب على هذا الوضع والمناهج الحديثة جيدة لطفل تحت رعاية أب وأم متعلمين يقدران متابعة ابنهما ولكن نحن أمام أغلبية حتى المتعلمة منها لا يكون لها وقت ليكون مع ابنه لأنه مشغول في لقمة العيش.....وضعف الطالب في المدارس يؤثر عليه في الجامعة».
وفي الجامعة يدرس الطالب مقرر اللغة العربية في الفصل الأول من السنة الأولى بعدها لايسمع كلمة فصيحة إلا فيما ندر، حتى طلاب اللغة العربية تجد أساتذتهم في وادٍ وهم في وادٍ آخر، يقول رامي تكريتي- دراسات عليا في النحو و الصرف - مدرس في معهد الشام: «نجدُ موادَّ مثل الأدب المُقارن والعالمي والنَّقد ولا سيما الحديث تسلِّط الضَّوء على الجانب النَّظري وتولي تعريفات العلماء جانباً واسعاً من المادَّة بينَما يكون الطَّالب المُتلّقي للأدب العالمي لم يقرأ رواية عالميَّة في حياته أو عملين أدبيين يُمكن مقارنتهما، صفوة القول: ليس المطلوب من المُدرِّسين إعطاء العلم بقدر ما يُطلَب منهم تقديم مفاتيحه».
 
وفي الأدب

تكثر عقد الخيط كلما سحبناه باتجاهنا ليشكل الأدب أرضاً خصبة أيضاً للجمود ولنجد لغة أدبية يقول عنها الدكتور حسن الأحمد – أستاذ النقد و نظرية الأدب في كلية الآداب، جامعة دمشق «عبارة عن مزيج من تجديد يكسر بعضه قواعد اللغة – لا على سبيل الانزياح الذي يقول به منظرو الشعرية – ومن عامية مفصحة ومن لغة إعلامية، هذا تيار واسع و عريض، و ثمة تيار آخر يرجع إلى تعبيرات وأساليب قديمة عفا عليها الزمان. و كلا التيارين غير مطلوب»، المطلوب كما يقول الأحمد لغة تجمع بين قوة الفصحى و يوميات الناس و تقنيات الأدب، وإلا عشنا في زمنين ينتجهما الأدب في واقعنا المعاصر: زمن قديم مستنسخ، وزمن مفترض بعيد عنا لا ندرك سياقه ولا جمالياته.
لا يختلف زكريا الطويل في رأيه كثيراً عن الدكتور الأحمد فنجده يقول: «أرى تبايناً شاسعاً في التعامل مع العربية بين الأدباء فأديب يريد أن يحافظ عليها فيجعلها على سوية من الرتابة والاستخدام الجاف, وآخرون يريدون تجديدها فبين خالط لها مع العامية أو مستخدم للمصطلحات حتى أفقدوا العربية سحر تعبيرها فغدت أمام العامية كليلة التعبير».
 
مجمدة لا جامدة

لا يلقى مصطلح اللغة الخشبية أو الجامدة رضا بعض المختصين بل نجدهم يؤكدون على أن اللغة العربية شأنها شأن أية لغة لاتخلو من الصعوبة لكنها لاتصل إلى درجة الخشبية أو الجمود الذي توصف به، يقول الدكتور أيمن عبد الرزاق الشوا اختصاص نحو وصرف: «أستغرب وجود هذا المصطلح، من اتهم اللغة العربية بذلك قد يكون نظر إلى إنسان يتقعر بلغته ويصعب اللغة على طلابه ومستمعيه والتعميم لا يجوز».
ويشكل المصطلح ذاته لدى مختصين آخرين واقعاً معيشاً، سببه أبناء اللغة لا اللغة ذاتها، يقول د. حسن الأحمد: «اللغة العربية ليست جامدة ولكنها مجمدة بسبب أبنائها وعدم شغلهم عليها، بسبب ظروف عولمية سياسية واجتماعية وتكنولوجية». مضيفاً: «ما نريده هو نحو وظيفي يربط بين اللغة وقواعدها من جهة والحياة من جهة أخرى فنتجاوز مشكلة العامية و مشكلة الفصحى التراثية البعيدة عن استخداماتنا اليومية».
 
مجمع مصطلحات

يعد مجمع  اللغة العربية المرجعية العليا الرسمية لكل مايتعلق باللغة العربية، ويبذل -حسبما يقول رئيسه الدكتور مروان محاسني- أعضاؤه مجهوداً كبيراً كل ضمن اختصاصه لإيجاد حلول لكل مشكلة حصلت نتيجة الاستخدام اليومي والتطور لكلمات المجمع، نافياً أن يكون المجمع كما يقول البعض مجموعة موظفين يقومون بأعمال روتينية، يقول: «المجمع أفراد أثبتوا جدارتهم في مجالات علمية مختلفة غير اللغة العربية، يؤدون دوراً أساسياً ويساعدون المجمع في ايجاد المصطلحات التي تخدم المجالات العلمية التي يختصون بها».
ويقسم محاسني عمل المجمع إلى جزأين الأول تعريب العلوم ما يتطلب تطابقاً مع التغيرات التي طرأت على اللغة العلمية بوجود علوم جديدة وبهجمة غربية تحاول فرض مصطلحاتها ومفاهيمها واجب المجمع التصدي لذلك وأن يقدم المقابل لكل تلك الألفاظ الجديدة النابعة من التطور الحضاري، وذلك إلى جانب العناية بدراسة التراث ونشر أمات الكتب التراثية وأهمها كتاب تاريخ دمشق لابن عساكر.
كما يرفض القول إن اللغة العربية أصبحت في الحضيض كما يدّعي خصومها، وموضوع الجمود الذي يتحدث عنه بعض المختصين ليس من مسؤوليات المجمع، بل مسؤولية أبناء اللغة وأصحابها الذين يختارون استعمال لغة أخرى أو إدخال ألفاظ غير عربية إلى لغتهم.
وما يقوم به المجمع حالياً هو دراسة الأساليب اللغوية لتفسيرها وتثبيت الجيد منها إضافة إلى مشروع المعجم التاريخي للغة العربية ومعجم معاني الأبنية اللغوية العربية، وتبقى مسؤولية التعليم على اختلاف مستوياته في إدخال اللغة الصحيحة إلى وجدان الطلاب لتكون محور حياتهم.
 
مواكبة

مع كل هذا التقصير والتنصل من المسؤوليات كيف يمكن للغة العربية أن تواكب العصر وتحافظ على استمراريتها وأصالتها ومكانتها بين لغات ناشئة بالمقارنة مع تاريخها، يبحث الدكتور حسن الأحمد في أسباب تقصير اللغة وعدم قدرتها على مواكبة العصر فيقول: «إن كانت العربية مقصرة في مواكبة العصر فهذا له علاقة بالعصر أولاً: اللغة الإنكليزية ممثلة لأقوى قوة عالمية وما يترتب على ذلك من أنماط ثقافية مكرسة بالقوة لا بالاختيار، التطور التكنولوجي المتسارع في مقابل انكماش الفكرة القومية و حتى القطرية وحالة اللامبالاة تجاه اللغة أداةً ثقافية قادرة».

لأجل كل ماذكرناه نحن أمام واجب وأخلاقي وإنساني ووطني بالدرجة الأولى يتمثل بالعمل على حماية لغتنا هويتنا كل حسب قدرته وبما يمكنه منصبه، خير مانختم به قول الشاعر حافظ إبراهيم:
أرى لرجال الغرب عزاً ومنعةً   وكم عزّ أقوام بعز لغات

تشرين - سوريا: يلتزم المجمع بأصولها ويسعى المختصون لتحريرها... لماذا تقصر العربية عن مواكبة التكنولوجيا؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق