21‏/07‏/2013

قراءة في قصيدة (دثريني ...دثريني) للشاعر محمد عبدالفتاح الشربيني

ميمي قدري

بقلم ميمي قدري (شاعرة مصرية)

يستهل الشاعر الراحل : محمد عبد الفتاح الشربيني قصيدته بمدخل استفزازي تنبيهي حين يكرر لازمة دثريني دثريني وهي قصيدة مثقلة بهم الوطن والإنسانية.... فالشاعر يحاول دق أبواب قلوب وعقول المتلقي.

استخدم شاعرنا الرمزية الخلاقة لإيصال المعنى ومصارعة من يريد اغراقنا في بحر من الظلمات
أبهرنا الشاعر بالصور الشعرية المتعددة ...... سكنتني الدهشة وأنا أتنقل بين شوارع القصيدة بقصورها الشاهقة .. أول مالفت انتباهي هو البحر الذي استخدمه شاعرنا: (بحر الرمل)!!
بحر الرمل من البحور الغنائية الرائعة تفعيلته الأساسية هي : فَــاعِــلاتُــنْ، بحر معلوم ومشهور ويستعمله الشعراء المعاصرون بكثرة لسهولته وانسيابه وهو ايضاً من البحور الطيعة لشعر التفعيلة
هذا البحر من البحور الصافية : اي انه يتشكل من تفعيلة واحدة هي فاعلاتن تتكرر في السطر بحسب الحالة النفسية والدفقة الشعورية للشاعر.

مثلا: بأول السطر استعملها شاعرنا مرتين: دثريني = فاعلاتن...
وهكذا باقي القصيدة تتوزع بالقلة والكثرة حسب الحالة النفسية والشعورية لشاعرنا.

القصيدة قراءة جيدة لحالة الشاعر وقوته الشعريه مثلا نشهد هنا لشاعرنا انه متمكن من العروض وايضا له ارتكاز ثقافي عقائدي فقوله دثريني يعود الى الامر الإلهي العظيم ... ربما لعظيم التجربة التي مر بها شاعرنا لاذ بهذا الاستفتاح هنا وأنا أقرأ شاعرنا محمد عبدالفتاح الشربيني من خلال قصيدته، لاحقتني أسراب من وجع ... فشاعرنا يتألم..يصرخ بصوتِ يتيم لا أذن تسمع ولا قلوب تشعر... شاعرنا في مجمل قصيدته يُحلق في مجرات الحزن الذي يشق صدى الآهات التي تملأ الأن أسوار قاهرة المعز.... يبكي .. يصرخ ... يغضب ........يشتاق يتحسر ... يكتب ابداعاً بقطرات العشق الذي يملأ قلبه....... مبدعنا الجميل يوجه حديثه لروح الوطن المُحلقة في قلوبنا جميعاً (القاهرة).... القاهرة هنا هي الحبيبة الحاضرة الغائبة التي يبحث عنها ... ينبش بأنينه في سراديب الذكرى يتحسر على ماضيها وشموخها..... يتمني ..يحلم... أن يعود النبض الصادق كالطبول والنفير ليستيقظ ضمير الغافلين..
القصيدة تعبر تعبيرا صارخا عن عشق الشاعر لوطنه وعن حزنه الذي يملأ أركان كيانه وعن حالته النفسيه.
فمثلا: (تكرار كلمة دثريني دثريني ) يدل على حالة نفسية متهالكة فهو يريد ان يختفي من عينيه هذا الواقع المر الذي نعيشه ونحيا تفاصيله المؤلمة يريد ان يختفي كطفل يخاف الغيلان والاشباح فيلوذ بالغطاء لكي لا تتكشف له امام عينيه (الاشباح)
ويلح على التي أمامه وتملأ قلبه وعقله بقوله 
(دثريني دثريني) ......
(والثمي الروح بعطر الخالدين)
يتجلى بهذا المقطع الصوفية التي تتوسلها التجربة وتتكئ عليها ايضا ...فالروح / والعطر / والخالدين كلها كلمات ذات قاموسية ايحائية تشي بالصوفية والتقديس للتجربة التي يمر بها شاعرنا، تتجلى في هذه القصيدة مسحة من حزن ولوحة من شجو وآلم والتوق لفجوات الأمل القادم من سبحات الاستنجاد بالرموز الدينية التي استعملها، مثل حضور شخصية الحسين رضي الله عنه وما يمثله من عزيمة ومناوأة البعد الروحي الخيِّر هذا الصوت الذي يريد شاعرنا استرجاعه حين يناديه أين أنت ؟ ليؤكد ان الخير دوما حاضر بالنفس ولو انهزم في لحظة من اللحظات وان موقف الحسين هذا الذي يناديه هو مناجاة الانتصار والصبر والمجاهدة والتضحية في قوله:
دثريني في ثياب من حنان وانتظام وامان
واملئي العين دموعا
بعد ما جفت دهورا ثم تاقت للبكاء
واعيدي نغمه التوحيد في فجر الحسين
اين أنت الآن ياصوت الحسين ؟
شاعرنا هنا لم يقتل قصيدته بجرس القافية الصارخ بل استعمل القافية باقتصاد لكن فيه جرس موسيقى رائع نسمعه من خلال اختياره للحروف وانسجامها فيما بينها مثل حدائق / مشانق، ايضاً نجد بعض الكلمات التي تدل على ثورته تتمثل : في الطبول / النفير
تتهدم / تتحطم، شاعرنا هنا يشعر بالتحسر على الماضي الحبيب والحزن من حاضرنا الشقي في قوله:

"يابنة الماضي الحبيب يابنة اليوم الحزين"

شاعرنا ينهي قصيدته بالأمل المنتظر والحلم الغافي على كتف الأحداث يتمنى تحقيقة ولكنه الحلم البعيد .....البعيد.

القصيدة :

دثريني ... دثريني
والثمي الروح بعطر الخالدين
رجعي الشجو عناء وانين
وانتفاضات سنين
ونمي
ودعي العبق الساجد يترنم
في سماء القاهره
دثريني في ثياب من حنان وانتظام وامان
واملئي العين دموعا
بعد ما جفت دهورا ثم تاقت للبكاء
واعيدي نغمه التوحيد في فجر الحسين
اين أنت الآن ياصوت الحسين ؟
صوت فينا اليوم لفظا
صرت خطا وفنادق
وطريقا ودوائر وميادين مرور
وسياجا وحدائق
اين انت الآن ياصوت الضمير
واللسان اليوم يشدو وبالخوارق
دثريني ..
واجمعي روحي من قلب المدينه
واجمعي اشلاء جسمي طهري اليوم عيونه
أرسلي الدمع حنانا لا يغيض
حلقي اليوم طيورا.. تطم النسمات اعطار الطهاره
واقهري اليوم ظلاما .. من عيون الخائنين
واقهري الظلم دفينا بالعيون القاهرة
ووقفت اليوم أتلو دمعة للصابرين
يا منارات التحدي.. يابنة الماضي الجريح
ابعثي الصوت قويا وشجيا
حركي النبض طبولا ونفيرا
انني القى بقايا تتهدم
ورمالا تتحطم
وربيعا باسق الدمع حزينا
انني القى مع الصحو افولا و اختناقا يترنم
وانتحارا ومشانق وفناء وحدائق
يابنة الماضي الحبيب يابنة اليوم الحزين
دثريني دثريني
والثمي الروح بعطر الخالدين
رجعي الشجو غناء وأنين
دثريني دثريني

(شعر محمد عبد الفتاح الشربيني)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق