21‏/07‏/2013

فلسطين: كلماتٌ تتلعثم بالصمت (من مجموعة مراوغة الجدران)


نسب أديب حسين


بقلم: نسب أديب حسين

تنظرُ الى الاوراق المثقلة بالكلمات والدموع أمامها، وتحتار كيف يمكن أن تقوم بـِطيها، أو إخفائها، كيف تُخفي كلماته وهي ما يُرافقها منه، مجاورة ظله..
» لا تبحثي عني في أروقة الزمان المترهلة بالضوء، اتركي لي مكانًا في زاوية وامضي، دعي الماضي في دفاتره وابحثي لك عن مستقبلٍ جديد.
لا تُدرجيني في مركزٍ من حياتك، أنا إخترتُ الاقامة في الهامش منذ سنين، ليس لأن الهامش مهمل، بل لأن في الهامش تُسجل أهم الامور..
أنا ظلٌ يرافقكِ ويرشدكِ من بعيد، لا تبحثي له حولك عن جسد..»
على أوراق ٍ بيضاء فجّرت ذهولها المكتوم.. بمغلفٍ مثقلٍ بقبلاتها وكلماتٍ تهزه في مساحات الضوء، مضت الى البريد وأودعتها هناك..
* * *
( طفلة كنتُ يوم أردتُ أن أجمع شيئًا من غيم السماء، لأحفظه في حقيبتي..
سألتك:ـ كيف يمكنني أن أصطاد غيمة وأدخلها في ضيق حقيبتي..
ابتسمت وسألتني :ـ وما حاجتكِ بالغيم
أجبتك:ـ لأجد لي في الصيف مطر
قلتَ لي:ـ أتركي الغيم.. يذهب حيث يريد.. لكل فصلٍ مطر..
يومَ أردتُ ان أبني من الترابِ بيتًا، حملتَ لي الحجار، دعمتها وساندتني، وإذ أمسكت بيدكَ وقلت: »هيا بنا»، إختفيتَ..
وعند خروجي من البيتِ، في الغابةِ تهتُ، ظهرتَ أزلتَ الخوف بمصباح ٍ وبسمةٍ قدتني.. وعندما الى الدربِ اهتديتُ، ضعتَ..
تموج الدمعة في عيني، يطالعني طيفك، يزيل الدمعة وقبلَ البسمة ِ مضيتَ..
عندما رفعتُ قلمي باسم الوطن، من الحجار صنعت لي أوراقـًا وأسطرًا من تراب، وبعد أن جعلتُ بإزميل الحبر نقشًا، لم أعلم إن كنتَ على الكلامِ مررتَ..
آتيك لأسألك:» من أنتَ»، »أنا ظلكِ الظليل»
هكذا اذا ظلا كنت.. ظلا كنت..
وأنا حسبتك أكثر من عرفت، والنور كنت، لكنك بقيت الشعاع الخفي في عيني وما ظهرتَ..)
يبتسم وهو يقرأ كلماتها العابثة بأوصاله، يقول لنفسه» لن تترك هذه الصغيرة شقاوتها» يرفع هاتفه، بعد أن يخرج ورقة صغيرة من جيبٍ خفي في محفظته.. ويتصل.
عندما أتاه صوتها شعر بدهشتها، إبتسم، سألته بعبثية:ـ من يتكلم؟
ـ أنا ظلكِ
ـ لقد سمعتُ عن ظلال تتكلم.. لكنني لم أعلم أنها تستطيع أن تتصل للتحدث عبر الهاتف..
ـ لكل ظلٍ قدراته الفنية على الظهور.. ماذا تفعلين الان؟
ـ أحشو وسادتي بالغيوم
ـ لماذا.. لتحتفظي بالمطر؟
ـ كلا.. لأصنع منطادًا وأسافر الى القمر..
ينفجر ضاحكًا:ـ كم من المرات أخبرتكِ يا طفلتي أن القمر سيفقد اعجابكِ به إن زرتيه
ـ ربما لكنني سأزيده نورًا وجمالا، وهناك سأعلم أن معظم سكان الارض ينظرون اليه ولا بدّ أن يراني أحد.. ثم انني إخترت الاقامة على القمر مثلما قررت الاقامة في الهامش..
ـ لو أعلم فقط من أين تأتين بهذا الكلام
ـ سائل ظلك..
شعر بالضيق:ـ ياسمين.. أنتِ تعلمين ظروفي أرجوكِ لا تلوميني
ـ أنا لا ألومك إنني أعاتبك، لقد تعبت من البُعد..
ـ لقد تحدثنا في هذا كثيرًا، إن ظروفنا ومجتمعنا لن يفسح لنا مجالا أن نكون معًا.. ستبقين طفلتي الصغيرة وسأبقى خير مرشدٍ لك في طريقكِ، ولكن من بعيد..
هزت رأسها غير مقتنعة وقالت:ـ حسنًا
وهي تحاول أن تضع حدًا لنقاش لا تجد منه فائدة، فسألها:ـ هل قابلتِ جلال؟
ـ كلا
ـ ومتى ستفعلين؟
ـ لا أظن أنني سأفعل
ـ لماذا؟ يجب أن تعلمي كنه مشاعره نحوكِ، لتعلمي في أي طريقٍ تمضي..
ـ لن أقرع نافذة أحد بعد اليوم..
امتدّ الصمت، قالت بصوتٍ منخفض:ـ تصبح على خير..
ـ بُنيتي.. لو كنت أستطيع تجاوز العيون الفارغة التي لا تمتلئ الا ظنونًا آثمة، لما تأخرتُ عليكِ لحظة..
ـ الى اللقاء يا أبي.. الذي ليس بأبي..
تحدق في عتمة غرفتها التي يلفها الصمت وصدى كلماته، وحيدة هي لا يجاورها سوى ظله، وأوهام كبيرة في شخصين لا يظهران، لم يعد لها ما تصدقه سوى وجودها على رقعةٍ من الارض.. وتساءلت هل تكون أرضها وهمٌ كبير أيضًا..
سألته ذات مرة »لو قرع الوطن نافذة عمرك.. وطلب مساعدتك في الخلاص، وأنت قابعٌ بين أطفالك يتعلقون بذراعيك.. ماذا ستفعل؟»
استغرب سؤالها، وتردد للحظاتٍ قبل أن يقول:» سألبي النداء »، ابتسمت.. هزت رأسها.. وقالت:» لا تقلق، لو فعل سأذهب مكانك..»
مرّ شهران دون أن يعلم عن أخبارها شيئًا، وما كاد يتساءل حتى جاءته اجابتها دون انتظار..
كانت الساعة الرابعة عصرًا عندما طُرق باب مكتبه وظهرت شابة تحمل صندوقًا متوسط الحجم، اخبرته انها صديقة مقربة لياسمين، إنتابته دهشة فقالت الفتاة:ـ لا تقلق.. لم تطلع أحدًا عنك سواي.. لقد أحضرت هذا الصندوق قبل أن تذهب، وقالت لي أن أحضره اليك عندما يصلني عنها خبر..
ـ الى أين ذهبت.. أين هي؟ لقد اختفت فجأة..
أجابت وهي تشيح بنظراتها عنه:ـ كان لها طريقة خاصة في الظهور، إبحث عنها في المحطات الاخبارية..
خرجت، على محطة وطنهم المرهق وجد الخبر يمر في الشريط الاخباري، وسرعان ما ظهرت مذيعة تقدم نشرة اخبارية لتؤكد هواجسه» استشهدت اليوم الشابة ياسمين جابر في قرية نعلين غربي الضفة الغربية، على أثر مداهمة قوات الاحتلال وصدِها مظاهرة ضد الجدار الفاصل، وكانت الشابة قد لاقت مصرعها أثر اصابتها برصاص ٍ أطلق لتفريق المظاهرة.. ويجدر الذِكر أن الشابة أنهت دراستها للتمريض وحضرت من داخل مناطق الخط الاخضر للتطوع في الهلال الاحمر منذ شهر، لاقت مصرعها وهي تحاول إنقاذ امرأة مصابة..»
مشدوهًا ينظر الى اسمها وصورتها على الشاشة رافضًا تصديق ما يرى، أيُ طريقة مذهلة ابتكرت لتظهر بقوة في لحظتها الاخيرة..
بدمع ٍ محترق يسارع الى صندوقها، مجموعة من الاوراق تنتظر أن ينفض الغبار عن كلماتها، وفوقها تتربع رسالة بمغلفٍ وردي.. شعر بها أمامه تراقبه وتستمر بعتابها الذي كان في حديثهما الاخير الذي انقطع، تهزه الرسالة أو ظلها..
( قبلة ٌ أتركها لك في أوراقي المُعَتقة وكلماتي المتلعثمة بالصمت..
أترك لك الاوراق تحضنها بعدما بخُلت بصدرك علي. سأرحل عن مفترقات الطريق وأنتقل الى أروقة الذاكرة، لأكون كما أريد أن أسير الى الأيام القادمة، ولا أترك لها زمام الامور تأتيني متى تريد، لك أن تخالفني رأيي لكنني لن أمضي في طريق مجتمعنا الذي يسرف عمره أملا في غدٍ لا يأتيه..
أترك لك ذاكرة ً وأوراقًا مرتعشة، إجعل لها ملجأ..
أنقذها بشمعةٍ.. لا برصاصة عود ثقاب..
وابحث لها ولنفسكَ بعيدًا عن الظل ِ مساحة من نور..
(طفلتك التائهة)

(تمت)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق