31‏/07‏/2013

سوريا: 28 لوحة تحلق نحو البحر والجبل في نادي الأوركسترا في اللاذقية... التشكيلي سهيل إبراهيم: لوحاتي تعبر عن التشبث بالأرض



تشرين - باسمة اسماعيل:

شيء رائع وجميل إقامة معارض تتحدث عن بيئة معينة، فهي تزيد معرفة المتلقي بهذه البيئة وتغني مداركه، وتضيف إليها مخزوناً ثقافياً آخر كان يدركه أو يدرك منه شيئاً بسيطاً، ومن خلال حضور المهتمين والمتابعين لفتني في جمهور اللاذقية، مستوى ثقافته الذي يستحق بجدارة أن تكون اللاذقية عاصمة الفن التشكيلي.. افتتح أمس في «نادي الاوركسترا» في اللاذقية معرض الفنان التشكيلي والكاريكاتوري «سهيل ابراهيم» بعنوان «التراث الساحلي بالأسود والأبيض»، يضم 28 لوحة من القطع المتوسط، ومن خلال العنوان نحلق نحو البحر والجبل وروح الساحل الريفي، وتنبعث من لوحاته رائحة التنور وصوت الربابة وأغاني الحصاد، المعرض مستمر /15/ يوماً من الصباح إلى المساء..
 
وحدة حضارية

التقت «تشرين» الفنان سهيل ابراهيم فحدثنا قائلاً: معرضي هذا هو إحياء للأمانة التاريخية وتأريخ للنشاط الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، لمنطقة الساحل السوري أو شرق المتوسط من اسكندرون إلى صور حتى حيفا ويافا، لأنها وحدة حضارية متكاملة منذ أكثر من ثمانية آلاف عام، وأنا ضد فكرة فصل الكنعانيين عن رأس شمرا، فالشعوب نفسها عاشت في المنطقة والحضارة نفسها، توارثتها الأجيال، مثلاً طريقة عصر الزيتون، حصاد القمح، الري، الزراعة بشكل عام أنواعها واحدة في شرق المتوسط.
 
ثقافة الكنعانيين

وبصراحة كان الفلاح في هذه المرحلة في الساحل السوري «شرق المتوسط» تحديداً غير متواصل مع المدن، هذا الشيء جعله يعيش بتكامل اقتصادي «زراعة وتربية مواش وصناعة القش والحرير وغيرها» واجتماعي «العمل وتعاونهم مع بعضهم وسهرات السمر» وثقافي «توارث الأعياد المأخوذة تاريخياً من حضارة الفينيقيين والكنعانيين مثل عيد عشتار أو مايسمى حالياً عيد الربيع أو الرابع أو الزهورية حسب كل منطقة».

الأمانة التاريخية

ويشير ابراهيم إلى أنه يقصد بـ «الأبيض والأسود» الأيام بفرحها وحزنها وأكثر ما يناسب ويعبر عن تلك المرحلة هذين اللونين، ويقول: لقد استخدمت قلم البيك الأسود فهو يعطي دقة في الرسم أكثر لأنه رفيع، ولوحاتي تحاكي أموراً وأشياء عن الواقع الساحلي فيما مضى اندثرت أو قل وجودها وممارستها مثلاً صناعة الحرير وجلسات الربابة والجرة وحكايات الختيارة والرحى ورعي الغنم والتنور، وفرم الدخان بأسلوب يدوي وصناعة القش.

ويتابع: كان يوجد في الساحل السوري تدخين الدخان وهو عبارة عن وضع عشبة الطيون تحت أكوام الدخان المكدس فوق بعضه، في غرفة طينية مغلقة وتشغيله عندها يخرج دخان يؤثر في أوراق الدخان الموجودة في الغرفة، وهذا الدخان كان يصدّر إلى كل أنحاء العالم حتى السبعينيات، وقد حصلت على ظرف دخان أجنبي هولندي مكتوب عليه «FROM THE FAMOUS LATTAKES PLANTS» معناه من شتلات اللاذقية الشهيرة.
 
التشبث بالأرض

ويبين الفنان أنه أراد أن يوصل رسالة من خلال معرضه أن الألم والجهل والمرض الذي عاشه إنسان هذه المنطقة، نتيجة الظلم الذي مُورس عليه من السلطنة العثمانية وما تلاها من حقب، يجعلنا بشكل إنساني نقف عند هذه المرحلة، وشيء رائع جداً تأريخ هذه المرحلة بكل جوانبها الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية بحالاتها البسيطة والعلاقات العفوية ودراسة هذه النواحي التي انقرضت في هذه الأيام.
ويضيف: هذا أول عمل فني لي عن البيئة الساحلية يتحدث عن فترة الأربعينيات وما قبلها، وما تمر فيه سورية الآن هو مَا شجعني على هذا المعرض الذي كان مترسخاً في ذهني، فمَن يتابع اللوحات يرى التشبث بالأرض.
 
لقطات

وهذا المعرض كان محط إعجاب الفنانة التشكيلية عفاف يونس كغيرها من الحضور فقالت: هذا المعرض بشكل عام جميل والفنان يصور لقطات أو مشاهد تشكيلية، هذه المشاهد تصور زمناً معيناً عاشه الإنسان بعيداً عن التكنولوجيا، صحيح أن الفنان ابن بيئته لكن مهمته أن يصور كل ما يلامس روحه، والملاحظ أنه اختار ألوان أوراق تناسب ذلك العصر فأجاد لحظة ذلك الزمن.
وتتابع: اقتنيت إحدى اللوحات لأنني رأيت فيها عشرين عاماً من الزمن، وعشرين عاماً من المتعة وعشرين عاماً من الجمال.
 
شكراً

النحات فراس علاء الدين «زيوس» قال: هذا المعرض تعبير صادق من القلب لكل تفاصيل الريف الساحلي الدقيقة وعفويته، تناولها الفنان بإحساس مرهف وأبدع فيها لكونه ابن الريف الجميل.
فقد تناول سهيل عناصر الحياة اليومية للريف الساحلي بتفاعلاته العفوية بأسلوب غرافيكي دقيق وواقعي، وباللونين الأبيض والأسود مع الخلفيات الملونة ما أضفى روحانية وواقعية أكثر على المعرض، شكراً أيها الفنان الجميل.
وأيضاً الفنان التشكيلي تيسير رمضان رأى أن الفنان عالج الموضوعات بطريقة واقعية، جسدت الحياة اليومية للريف بأدق تفاصيلها واستطاع أن يتميز من خلال أسلوبه، وهذا الأسلوب يحتاج التدقيق بالتفاصيل وهو أشبه مايكون بأسلوب الحفر أو الغرافيك، أتمنى له التوفيق في المستقبل وأرى أنه يستطيع أن يقدم الكثير، ويختصر المفردات ويصوغ منها لوحة تكون أكثر تعبيرية وأقل تدقيقاً.
 
هفوات

أما النحات ماهر علاء الدين فقد بيّن أن فكرة المعرض جميلة من حيث أنها تتحدث عن البيئة الساحلية، ولاسيما الريف بكل حذافيره، ويتحدث عن التراث الذي اندثر الشيء الكثير منه، ويرى ماهر أن الفنان سهيل أبدى جهداً وتعباً كبيرين على اللوحات إلا أن هناك بعض الهفوات، كافتقاده التوازن بين حجم أو شكل الأشخاص ووجوههم، وأيضاً تكرار وجه معين في أغلب اللوحات، ولا أدري إن كان يريد بهذا التكرار شيئاً ما، وأيضاً استخدامه للظل والنور في اللوحة جيداً لكنه كان يستطيع أن يوظفهما بشكل أفضل بحركة الوجوه والأشخاص.
 
عفوية

ويوضح النحات أن فكرة العمل واضحة لكن استخدام الفنان لقلم البيك الأسود بيّن عمق اللوحة، ولاشك في أن الفنان قدم عملاً لايستهان به ولاسيما أنه يتحدث عن البيئة والتراث الساحلي الذي يفتقده هذا الجيل، مثلاً تلك القعدات الحميمية وأيام الحصاد وأغانيه، وسهرات الربابة وجماليات التنور كاجتماع النسوة ورقهن العجين وأحاديثهن، ولو أن التنور عاد الآن لكنه فَقد تلك الروحانية وهذه الأجواء الإنسانية الحميمية سرقته الحضارة، وأنا مع البساطة فيما مضى أكثر من الحضارة، والفنان سهيل عفوي في طروحاته.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق