26‏/05‏/2013

سوريا - جديدة عرطوز: محاضرة بعنوان "جماليات اللغة العربية" للأستاذة إيلين ديب في المركز الثقافي العربي في جديدة عرطوز

فى اللغة العربية جماليات لا تجدها فى غيرها من اللغات الحية ومن ذلك ما يعرف فى البلاغة بـ(حسن التعليل) وذلك أنك تعلل الشئ بعلة طريفة غير حقيقية لكنها تكون أفضل وأحسن من العلة الحقيقية . ومن أمثلة ذلك أن رجلا كان يحب امرأة فتزوجها وعاش معها فترة من الزمن ، ثم حدث بينهما جفوة فتركها وتزوج غيرها وفى يوم من الأيام رأى زوجته الأولى التى أحبها وأحبته ، فأول ما وقع نظره عليها بكى وكانت هذه النظرة كفيلة بعودتهما الى بعضهما كما كانا حبيبين متلازمين.

لكن المرأة حين بكى قالت له لماذا تبكى ولماذا تدمع عيناك ؟ فقال :

أتتنى تؤنبنى بالبكاء
فأهلا بها وبتأنيبها
تقول وفى قولها حرقة
أتبكى بعين ترانى بها
فقلت اذا استحسنت غيركم
أمرت الدموع بتأديبه

فهو يعلل لدموع عينيه بأن عينه استحسنت امرأة غير محبوبته فأمر الدموع بتأديب عينيه جزاء ما اقترفت من اثم واعجاب بغير محبوبته .
فهذه علة طريفة غير حقيقية لكنها أفضل من العلة الحقيقية وهذا الكلام لا تجده فى غير اللغة العربية .
ومن ذلك أيضا أن رجلا كان عنده صديقه فى بيته فقدم له مشروبا فوقع المشروب على الأرض فعلل الضيف لوقوع الكوب والمشروب على الأرض فقال :

شربنا شرابا طيبا عند طيب
كذاك شراب الطيبين يطيب
شربنا وأهرقنا على الأرض بعضه
وللأرض من كأس الطيبين نصيب

فهذا أيضا تعليل غير حقيقى لكنه أفضل من العلة الحقيقية وهذا خاص باللغة العربية لا تجده فى غيرها من اللغات الحية واذا استعملت هذا الأسلوب فى أى لغة غير العربية فانك تتهم بالكذب .
أرأيتم الى جمال اللغة العربية وعظمتها ، ياليت قومى يعلمون .

تتميز اللغة العربية بأنها بناء متعدد من العلوم، وتتميزهذه العلوم بأنها متراتبة متراكبة، ويؤدي هذا التراتب وهذا التراكب إلى التداخل. مامعنى التداخل؟

معناه: أن معطيات العلم الأسبق وحقائقه تدخل في تكوين العلم الألحق؛فـ"علم الأصوات" بقسميه (الفوناتيك – الفونولوجي) يدخل في "علم الصرف". "علم الأصوات" الذي يتركز حول "الصوت" مخرجًا وصفة، مفردًا ومركبًا -يشارك في بناء "علم الصرف".

يشارك "علم الأصوات" في "علم الصرف" -الذي يختص بالكلمة- في معظم أبوابه وأهمها باب "الإعلال والإبدال"؛ فقوانينه قوانين صوتية، وتعليلاته تعليلات صوتيه، ولا يقف على أسراره إلا من أجاد "علم الأصوات" بقسميه. وكذلك مبحث تقسيم الاسم والفعل حسب اعتبار الصحة والاعتلال و التي صارت تعرف في " علم اللغة " بـ" الصوائت والصوامت "، إلى غير ذلك من مسائل "علم الصرف" التي يشارك " علم الأصوات" فيها . ولا تقتصر المشاركة الصوتية على ذلك؛ بل نجد "علم الأصوات" يساهم في "علم النحو" في إعراب المقصور والمنقوص، وغير ذلك من المسائل. وتمتد المشاركة إلى العلوم الفوقية؛ مثل "علم البديع" ليساهم مساهمات فعالة؛ لاسيما في فني "السجع والجناس".

ويأتي "علم الصرف" ليشارك في بناء "النحو" منذ البدء؛ فالمقدمات التي تتقدم "علم النحو" أبواب صرفية رأى العلماء إلحاقها بالنحو كمقدمة لازمة قبل الولوج إلى عالم الجملة موضوع "علم النحو".إن المقدمات النحوية التي تشمل الكلمة وتقسيماتها وعلامات كل قسم، والتنكير والتعريف، والتثنية والجمع -مقدمات صرفية. ولقربها الشديد من النحو كمدخل وتهيئة لمسائله جعلوها منه، وأدرجوها على قائمته.

وإذا تصفحنا الأبواب النحوية نجد "الصرف" يعلن عن نفسه في كثير منها؛مثل "المشتقات" كأبنية، و"الإعراب التقديري" الذي ينبني على الحركة المقدرة للثقل والتعذر، وغير ذلك من المسائل.

ولا يقتصر "الصرف" على الإفادة في العلم التالي مباشرة؛ بل يعلو إلى علوم البلاغة؛ حيث "علم المعاني" الملقب بـ"النحو العالي". نجد "علم الصرف" يشارك في باب "أحوال المسند والمسند إليه" من حيث التعريف والتنكير،وأغراض ذلك بلاغيًّا. ونجده يشارك بباب "أبنية الفعل الزائدة" وقد أخذ لنفسه هذاالباب وصار يرد فيه بعنوان "معاني صيغ الزوائد". وليس بند (التعيين "التعريف والتنكير") هو الوحيد؛ بل نجد الكم (الإفراد – التثنية – الجمع) يؤدي معاني بلاغية؛فالجمع يفيد التكثير وهو معنى بلاغي. ولا تقتصر مشاركات "علم الصرف" المبنية على معطيات "علم الأصوات" على النحو والمعاني بل تذهب إلى "القافية"؛ حيث يُسهم "المقطع الصوتي" وأنواعه في فهم واستيعاب هذا العلم؛ سواء في تحديد حروف القافية أوعيوبها.

ثم يأتي "علم النحو" ليشارك في البلاغة بباب "الجملة الاسمية" وموقع المبتدأ والخبر، فنجد للتقديم أغراض بلاغية وللتأخير أغراض بلاغية، وللحذف أغراض بلاغية، وللذكر أغراض بلاغية. وهناك باب بلاغي يختص بالجملة الفعلية وهو متعلقات الفعل. ويظهر "علم المعجم" ليشارك في "فقه اللغة" بتوفير أبواب (المشترك اللفظي – الأضداد – المترادفات) وغيرها.

هذه بعض سمات علاقة تداخل علوم اللغة العربية. وقد انتظمت تلك السمات في "علم اللغة" الحديث الذي قسم اللغة إلى مستويات شملت: المستوى الصوتي "علم الأصوات"، والمستوى الصرفي "علم الصرف"، والمستوى القاعدي "النحو"، والمستوى الدلالي (المعجم – البلاغة – مسائل علم الدلالة). وصار لكل مستوىدلالة خاصة به، فهناك الدلالة الصرفية، والدلالة النحوية، والدلالة المعجمية، وعلوم البلاغة، وعلم الدلالة بمسائله. ورغم أن هذا التقسيم جاءنا عند اطلاع أساتذة جيل الخمسينات وما بعدها على منتجات الغرب في اللغة -نجد أن القدماء أدركوا ذلك؛فسيبويه صاحب "الكتاب" نجده لا يفصل بين الصرف والنحو والدلالة. وعبد القاهرالجرجاني صاحب "نظرية النظم" نجده يوظف النحو توظيفًا لم يسبق إليه؛ وإن كان استفاد ممن سبقوه في أصل الفكرة.

اقرأ المقالة كاملة:
مديرية الثقافة بريف دمشق: محاضرة بعنوان "جماليات اللغة العربية" للأستاذة إيلين ديب في المركز الثقافي العربي في جديدة عرطوز

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق