06‏/09‏/2012

سوريا: أول قصيدة كتبها كانت بقلم كوبيا نعمة العاقل: ديواني الوحيد «من الشعر النبطي»



ما الذي يجعل صاحب قصيدة «يا خوارد» التي قد تضاهي غزليات «نزار قباني» يمضي العمر عازباً؟ في الثمانينيات من عمره، ربع القامة، أسمر اللون، حادّ الذكاء، حاضر النكتة، متكلم وأنيس العينين.

والده علي العاقل، توفي عام 1952، والدته «ثنيّة العبد الله» توفيت عام 1992، له أختان وأخوة ثلاثة: الأكبر، ابراهيم استشهد عام 1925 في معركة «تل الخاروف» والأصغران عاصم وقيس لا يزالان على قيد الحياة..
في قريته «أم الرمان» إحدى قرى جنوب محافظة السويداء، التي تفتح أبوابها وقلوبها للهواء والسماء والزوار، كان لقاؤنا ربيعاً، وكان اللقاء الصحفي الأول الذي جرى معه - حسبما قال - ونأمل ألا يكون الأخير:

 

 البدايات

عندما سألته عن تحصيله العلمي، الذي أكسبه تلك الإمكانية اللغوية المميزة. قال: إنه تعلم أيام فرنسا حتى الصف الخامس، وكان طوال تعلمه من الأوائل على صفه. ولمّا لاحظ المعلم «أنطوان بيطار» تفوقه في آخر السنة الدراسية في الصف الثالث، رفعه صفين معاً، وصار يعطيه مع طلاب الخامس، غير أنه عندما تقدم لفحص «السرتفيكا» سقط في الامتحان. ومنذ ذلك الوقت ترك الدرس وانصرف إلى الأرض فلاحة وزراعة واهتماماً، غير أن والده عوضه عن المدرسة بأن صار يزوده بعيون الكتب مثل «جواهر الأدب» و«مروج الذهب» و«نهج البلاغة» و«بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب».
أول قصيدة حفظها
يقول الشاعر نعمة العاقل: إن القصيدة الأولى التي حفظها في المدرسة كانت من تلقين معلمه «أنطوان بيطار»، الذي حمل له الجميل طوال حياته، وهي للخنساء، تقول فيها:
يؤرّقني التذكّر حين أمسي
         ويردعني مع الأحزان نكسي
على صخر وأيّ فتىً كصخرٍ  
        ليوم كريهةٍ وطعان خلسِ
وعندما سألته عن مناسبة قصيدته الأولى ودوافعها، تردد قائلاً: إنها ليست للنشر، وبعد إلحاح مني قال:
في عام 1939 تزوج أحد أمراء الجبل وشيوخ أمّ الرمان بصبية جميلة من قرية «عرى»، كان عمري آنذاك حوالي /14/ عاماً. في أحد الأيام بينما كان شابان من قريتنا يتمشيان ويتسامران ويدخنان سجائر «البافرا» وكنت أتعقبهما، وعندما صرنا بمحاذاة دار الأمير، رأينا العروس الجميلة تظهر في أرض الديار بثيابها الشفافة، وترفعها قليلاً عندما تمر من فوق قناة ماء. فينظر إليها أحدهما قائلاً:
لدّ غيدا شهملت من فوق ثوبا      كفكفت باقي هدوما عاقناها
فيكمل الآخر
طعم ريقا سكّر ممزوج ذوبا
       لو يجيني بليل طيفا ما حلاها
وما انتهيا حتى قلت لهما:
ميت خيبا لـ لحاكم وألف كوبا
      قبلما نفساكما تبلغ مناها
ومن بعد هذا البيت الذي لا أدري كيف ظهر على لساني، كانت قصيدتي الأولى «لدّ هيفا»، وأذكر وقتها كأني ذهبت في حلم يقظة أو رؤيا، حيث رأيت الكلمات مضاءة في رأسي، وقد انخضّ جسدي وتعرقت. فقمت لفوري وأخذت قلم كوبيا أذكره كان مبريّاً من الرأسين، ولما لم أجد ورقاً.. رحت أكتب القصيدة على مطحنة قهوة خشبية.
لدّ هيفا في تشابيب الشروخ
        بالعمر ما تجاوزت طعشر ربيعا
كنّها اليعفور تندس ما تدوخِ  
      نافرة من طور حوّاف المريعا
رائعته ذائعة الصيت
وبخصوص «يا خوارد» قصيدته المشهورة أخبرني أنها كانت ثاني قصيدة قالها وأخذ يسمعني أبياتها شارحاً معنى كل كلمة فيها:
يا خوارد عا موارد بير زمزم
       دالعات دراع والمجول شفوف
أحداقهن ومواقهن خرطوش دمدم
    يا عذاب صبيّْ طرّادٍ يحوفِ
معصفرات معنبرات بلون عندم
    معنّمات صباعهن سُمح الكفوفِ

من ذكرياته

يقول شاعرنا «العاقل» ردّاً على سؤالي له، عمّن يعجبه من الشعراء: لابن ضيعتنا الشاعر «عيسى عصفور» ودّ واحترام كبيران عندي. له قصائد وطنية جيدة.. كان الدكتور محمد البزم الذي درسه في مدرسة التجهيز في دمشق يقول له: أنت لست عصفور قريتكم «أمّ الرمان» فقط.. أنت «عصفور الجبل». ويعجبني من الشعراء: المتنبي والعراقيان «مهدي الجواهري» و«معروف الرصافي» ومن الشعراء القدامى: «جميل بثينة» و«كثيّر عزّة» و«عنتر بن شداد».
العمل والسجن والصحة والحياة
في نهاية لقائنا، اقترحت على شاعرنا أن يتحدث عمّا يريد، ورحت أصغي إليه من دون مقاطعة فقال:
وأما النساء فبقيت أحبهن من بعيد لبعيد واكتفيت شرّ قربهن: ألم يقل المتنبي:
وإن تسألوني بالنساء فإنني
      بصير بأحوال النساء طبيب
إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله
    فليس له في ودّهن نصيب
يردن ثراء المال من حي مالكٍ
  وشرخ الشباب عندهن عجيب
صحتي الحمد لله كما ترى: لا أخاف الموت لكن أخاف أن أُعمر كوالدتي التي بلغت /112/ عاماً.. لقد صحتني من النوم عشية وفاتها قائلة: يا نعمة ادعِ لي بالرحمة إن وفّيت. سألتها ماذا تعنين. فقالت: سأموت غداً. وكان ما قالت!

حسني هلال   

تشرين - سوريا: أول قصيدة كتبها كانت بقلم كوبيا نعمة العاقل: ديواني الوحيد «من الشعر النبطي»

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق