06‏/09‏/2012

سوريا: خماسي دمشق النحاسي... اتجاه جديد في الموسيقا السورية


يغرد تجمع خماسي دمشق النحاسي خارج السرب تماماً بالنسبة للساحة الموسيقية السورية, إذ قدم لجمهور الموسيقا عندنا جوانب متعددة كانت غائبة عنا..
فمن ناحية، وضع الآلات الموسيقية التي كنا نراها عادة في الصفوف الأخيرة في الفرقة السيمفونية  وحيدة على المسرح لتعزف بطريقة غير متوقعة أصعب الأعمال الموسيقية العالمية, ومثلها بعض الألحان من التراث السوري العريق، التوبا وهي أكبر آلات النفخ و«الترومبيت» بأشكالها المختلفة، و«الهورن» المخصص لجمل موسيقية داخل الأوركسترا، والترمبون التي لم نكن نراها إلا في المارشات العسكرية.
في حفله في دار الأوبرا مؤخراً, وبكل أريحية وانسجام واضحين, قدّم خماسي دمشق النحاسي مجموعة من الأعمال الموسيقية الكلاسيكية، إذ بدأت الفرقة بمقطوعة «ابتهال» لهاندل، ومن ثم تتالت الأعمال فعزف «روندو لترومبيت» لكلارك، «كانون» لباخلبيلن  «هاليلويا» من عمل «المسيح» لهاندل أيضاً، «روندو» لموريه، «بوق القيامة» من القداس الجنائزي و«افتتاحية الناي السحري» لموتزارت، «فانفار» من هكذا تكلم زرادشت لشتراوس، «صدى للغروب» لستيفانو، «وردة الزفاف» للافاليه، «مزمار جبرائيل» لموريكوبيه، «ست سويتات من الترشيح» لعبجيان، «السلام عليك يامريم» لرخمانينوف، «النمر الوردي» لأتش مانكيكي، وأنهت الفرقة أمسيتها بعمل للمؤلف الأرمني خاتشادوريان وهو «رقصة السيوف».

برنامج مناسب

أما في حفله الثاني الذي أحياه في غاليري الـ «آرت هاوس» قبل فترة وجيزة، فقد اختار هذا التجمع برنامجاً يناسب شريحة كبيرة من متذوقي الموسيقا، موسيقا من عصر الباروك والكلاسيك والرومانس وتم توزيع هذه القطع لتشكيلة الخماسي النحاسي، إضافةً إلى مجموعة من القطع الموسيقية المعاصرة, منها ما أعيد توزيعه ومنها ما كتب خصيصاً لهذه التشكيلة، أما المفاجأة فكانت عرضاً أنموذجياً لمشروع موسيقي جديد هو مجموعة ألحان من التراث السوري، منها أغنيتان من السويداء من توزيع  وسيم إبراهيم وكتبت واحدة منهما بمرافقة آلة إيقاعية وقطعة ثانية من منطقة ماردين من توزيع ناريك عبجيان وأخرى تضمنت مجموعة من الأغاني السريانية الدنيوية (خارج الطقس الكنسي) معروفة جداً عند السريان، إضافة إلى عمل موسيقي للراحل صلحي الوادي عنوانه «موشح»، حيث قدم هذا العمل سابقاً بتشكيلات مختلفة منها أوركسترا سيمفونية وكعمل مستقل للبيانو، وقام فيكتور بابينكو بتوزيعه لخماسي دمشق النحاسي ليخرج العمل بنكهة أخرى.

من الواضح أن خماسي دمشق النحاسي يعمل  ومنذ تأسيسه بشكل مستمر وجاد بالبحث عن هويته كخماسي نحاسي سوري، خاصة من خلال إعادة توزيع أعمال من التراث الموسيقي الغنائي العربي وتقديمها بشكل آلي صرف لكسب اهتمام الجمهور، وتسليط الضوء على القدرة الموسيقية الآلية، والبحث في المخزون الموسيقي وتالياً تقديمه بصيغ جديدة معاصرة.
وتتميز شخصية هذا التجمع الفني بتشكيلة آلية متوازنة صوتياً إضافة إلى طواعيته وقدرته على عزف كل الأشكال الموسيقية لتكون برامجه خلاصة لمختلف الاتجاهات والعصور من الكلاسيكية إلى أنواع عديدة من الموسيقا(باروك، كلاسيك، رومانس) إلى جانب الجاز والموسيقا الشعبية.
ونستطيع أن نصنف هذا التجمع كإحدى الظواهر النادرة في الحياة الثقافية الموسيقية في سورية والشرق الأوسط  باعتباره من أوائل تشكيلات الآلات النحاسية التي تتطلب خصوصية وحرفية عالية على صعيد العزف والخبرة الموسيقية.

اختيارات صعبة

وفي رأي للمايسترو ميساك باغبودريان قائد الفرقة السيمفونية الوطنية عن هذا التجمع يقول: «سأتحدث عن خماسي دمشق النحاسي من خلال ما رأيته في حفلاته السابقة.. تعودنا وللأسف الشديد أن معظم التشكيلات النفخية تحاول أن تكسب الجمهور ببرامج معروفة أو مسلية وتكون سهلة ومعروفة، ولكن المدهش في هذه الفرقة أن معظم المقطوعات التي تقدمها، رغم أنها الأولى لهذه التشكيلة تكون صعبة وجدية ومتقنة ومعقدة, فهناك اهتمام بالألوان وانسجام النوتات بين الآلات المختلفة، وتالياً أنا أحترم هذا الشيء لأن ما تقدمه هو احترام للجمهور الذي يحضر لسماعهم، في تقديمهم لقطع بمستوى عال وجاد, بعيداً عن اللعب بعاطفة الناس، ولا تكون الرغبة في جذب الناس من خلال مقاطع محفوظة».
وأنهى باغبودريان حديثه قائلاً: «تشكيلة النحاسي بشكل عام وخاصة النفخ يراد لها وقت من ناحية التوحد في الدوزان، ومن هذه الناحية نجح الخماسي في حفلاته السابقة بعمل جيد في الوصول إلى دوزان مستقر للآلات وتالياً الانسجام الواضح فيما بينهم، وهذا يتطلب جهداً وعملاً طويلاً، ومن ثم العمل على إخراج برنامج منوع على هذه الآلات أصعب من الآلات الأخرى».

خيرة الموسيقيين

يتألف خماسي دمشق النحاسي من خيرة الموسيقيين السوريين إضافة لبعض الموسيقيين الروس الذين, يعملون خبراء في المعهد العالي للموسيقا، راني الياس وهو واحد من أبرز عازفي آلات النفخ النحاسية السوريين الذين قدمهم المعهد العالي للموسيقا خلال الأعوام العشرة السابقة, وقد تخرج فيه عام 2003. عزف راني الياس مع العديد من الفرق المهمة على الساحة الموسيقية السورية والعالمية ويعد من أكثر مدرسي آلة الترومبيت السوريين تميزاً ولاسيما لجيل الشباب فهو مدرس في معهد صلحي الوادي للموسيقا ومعهد الشبيبة والمعهد الوطني للموسيقا في عمّان – الأردن  ومدرب آلات النفخ النحاسية في فرقة الجيش العربي السوري.
دُلامة شهاب، عمل منذ تخرجه في المعهد العالي للموسيقا بجد للانفتاح على مختلف التجارب الموسيقية العالمية والبحث عن خصوصية في أدائه الموسيقي الآلي فكانت له محاولات جادة في تأسيس فرق موسيقية بأنماط جديدة على المشهد الموسيقي السوري ومن أهمها «تشيلي باند» وهي الفرقة السورية الأولى المختصة بأداء الموسيقا اللاتينية.

إيغور غالينسكي، ينحدر من عائلة غالينسكي الموسيقية, وقد وصفته إحدى الصحف البيلاروسية بأنه واحد من أهم عازفي الهورن في البلاد.. حصل على درجة الماجستير من الأكاديمية الموسيقية البيلاروسية ليصبح عازفا في العديد من الأوركسترات العالمية.. وحصل على الجائزة الكبرى لعازفي النحاس في لوكسمبورغ.
فلاديمير كراسنوف هو أحد الخبراء الموسيقيين من دولة روسيا الاتحادية الذين كان لهم الفضل بتأسيس قاعدة من الموسيقيين السوريين المحترفين على الآلات الموسيقية المختلفة من خلال تدريسهم في المعهد العالي للموسيقا في دمشق, حيث يعمل فلاديمير بالتدريس في سورية منذ عام 2001 باختصاص «الترومبون و التوبا» إضافة لخبرته السابقة في التدريس في كلية الموسيقا – أوليانوفسك.. ظهر فلاديمير كراسنوف كعازف ترومبون مع العديد من الفرق الموسيقية، وحاز العديد من الجوائز العالمية منفرداً أو بمشاركة مجموعات حجرة, كما شارك فلاديمير في لجان تحكيم لمسابقات عالمية في العديد من الدول.
شربل أصفهان، عمل على إظهار إمكانات آلة التوبا وقدرتها على أداء أنماط موسيقية مختلفة من خلال مشاركته مع فرق موسيقية مهمة وفاعلة في المشهد الموسيقي السوري. منذ دراسته في المعهد العالي للموسيقا ، شغل منصب عازف التوبا الرئيس في العديد من الفرق منها السيمفونية الوطنية السورية.. يعد شربل واحداً من المؤثرين الثقافيين في الخريطة الثقافية السورية من خلال إدارته مجموعة من المشروعات الفنية لجمعية صدى الثقافية الموسيقية منها: مدير مشروع «موسيقا على الطريق» والمدير الفني لأوركسترا الجيش العربي السوري مدة عامين، وكذلك كان عضواً في مجلس أوركسترا الفرقة السيمفونية الوطنية أربع سنوات وهو مدير خماسي دمشق النحاسي الذي نحن بصدده.

ادريس مراد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق