19‏/09‏/2012

فلسطين: "حين يرقص النور في أزقة القدس"

حين يرقص النور في أزقة القدس
نسب أديب حسين:

(عن الفرق ما بين الضوء والنور؟) أذكر أنّ درس الفيزياء الأول الذي تلقيته في الصف العاشر طرح هذا الموضوع، فقالت المعلمة أنّ الضوء هو الأشعة القادمة من الشمس حالا، أمّا النور فهو انعكاس الأشعة.. أعجبني هذا التفريق في التعابير واستخدمته كثيرًا.. وبقيت أحب الضوء بكل أشكاله وأتغنى به، سوى هذه الليلة.. إذ شعرت فجأة أنّ النور يخذلني بعد أن قررنا أنا وصديقتي أن نيمم شطر المدينة القديمة.

لنجد المدينة تعج بالحضور الذين حُشرنا بينهم بعد أن أتوا محتفلين بنزع ثوب الظلام عنها في مهرجان الأنوار. أنظر للأزقة التي تغلفها ابتساماتٌ غريبة.. الى النور المتموج الغريب الذي يذرع برج كنيسة الفادي، بعد أن غاب شعاع الشمس الذي اعتاد أن يرسم عليه سيرته كل يوم. أحدق في غياب الطيور عن سوق افتيموس.. لم ترقد هذا المساء على صحون النافورة ذهبت تبحث عن مضجع آخر.. وفيما يرتفع الصخب في أزقة اعتادت الرقودَ باكرًا.. نجد أخرى تشدّ ثوبَ السكون اليها تحاول أن تنسى أضواءَهم وصخبهم وفنهم، تترك مصابيحّ قليلة لترسمّ دربّ وظلالّ من يمرّ فيها من أبنائها.. تحاول ببساطة أن تهجع الى مخدعِها بأمانٍ.. لم يعد يسليها السهر.. تتنهد الأزقةُ الساكنة دون أن يُسمع لها زفير.. تبكي طرقاتٍ زُرعت في عينيها السهاد وأجبرت كل ليلة أن تنادم الغرباء. وأتنهد بصوت مسموع أنا.. أسأل صديقتي «الى متى؟« سمعتني الحجارة القديمة لم تقل شيئًا.. تركتنا نسير حتى باب الخليل، خرجنا لنراها هناك على الجسر بين شارع مأمن الله والمدخل الغربي للمدينة.. كيف أحضروها الى هنا.. وإن كان في هذا الابداع ابداع فمن أين اهتدى جنُ إبداعِهم على هذه الفكرة؟ لماذا صنعوا مجسمًا لقبة الصخرة من النور..؟ هذه القبة التي تشكل جزءًا من سيرة النور في قدسنا فهي قمر في الليل وشمس في الصباح.. لماذا يرسمونها بالنور..؟ تساءلت ونظرت ذاهلة.. ولأول مرة أجدني أحدق الى النور وأرى الظلام.

همست صديقتي «انظري الى أعلى..« نظرت فانتبهت ليس من هلال.. لا هلال على القبة ولا هلال في السماء.. يحتشد الآلاف من حولي لم يتركوا لي مساحةً فارغة لأجلس كعادتي على العشب قرب السور وأهمس له عن عشقي دون أن يسمعنا أحد.. ما هذا الذي يحصل؟.. ما هكذا عرفتُها..

نبحث عن طريق للبُعاد أقول لصديقتي:« ألم نكن نتحدث قبل قليل عن الاحتلال الثقافي للقدس..؟ أين نحن من كل هذا..؟ نجلس معًا في الندوة في الحكواتي ونتحدث عن أحلامنا وعن آمالنا في انقاذ المدينة.. لكن أنظري أين الناس.. إنهم لا يأتون الينا.. إنهم هنا.. إنهم هنا«. توقفت فجأة لأسأل أحد الباعة «منذ متى بدأ المهرجان؟« فأخبرني: «منذ أسبوعين واليوم هو اليوم الأخير في المهرجان«. ضممنا خطوتنا ووجدتني أهمس «يحاربوننا حتى بالنور«.

ما بين باب الجديد وباب العمود وقبل أن نقطع شارع رقم واحد لنبتعد وقفنا ننظر اتجاه العشب قرب السور، حيث نُصبت محطات عروض أخرى ليقع نظري على مساحة خططتُ منذ مدة لعقد ندوة فيها.. وها أنا أرى عرضًا هناك، قلت غاضبة:« يا الهي حتى هذه الفسحة احتلوها ! من أين لنا أن نأخذ مكاننا هنا عند الأسوار..؟« قالت:«هيا لنذهب«.

لقطع الشارع علينا أن نسير على سكة الحديد التي تمر قريبا من السور قادمة من شارع يافا. توقفت عند السكة وناديتها:« ما رأيك أن ننتظر القطار ليأتي ويأخذنا في رحلة أبدية«. عادت لتشدني من يدي قائلة:« أليفرحوا ويقولوا ها هم كتاب القدس ينتحرون..؟«.

ابتعدنا بعد أن ترك النور مساحاتٍ من الظلام تتسرب الى نفوسنا.. وفي المرور من سفح جبل الزيتون قريبا من كنيسة الأمم أطلت عليّ قبة الصخرة بنورها من خلف السور وابتسمت، فلم أملك كالعادة أمام رهبة ابتسامتها سوى أن أبتسم، نظرت وفي نظرتها وقار المدرك العارف وهمست:« لا عليكِ.. الليلة هي الأخيرة.. غدًا سيحملون أشياءهم ويذهبون وستغسل المدينة وجهها من جديد.. ونظل أنا وأنت باقون..«. باعدتُ وبقيتُ بين الفينة والأخرى أحدق عبر المرآة الى الخلف لأرى السور يتسربل بالنور.. قد كان نور.. أجل إنه نور.. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق