11‏/09‏/2012

سوريا: «الميجنا» ..فيس بوك الأجداد

(الميجنا) ضرب من المواويل الشعبية الساحلية جميعنا يعرفها، وقليل منا يعرف قصتها التي اختلف حولها شأن أية حادثة يمتزج فيها الواقع بالخيال، والغريب في قصة الميجنا أن بعض الرواة قد نسبها إلى البيئة البدوية وما تقوم عليه من التنقل والترحال،
علماً بأنها ترتبط (توثيقياً) بالساحل السوري وحياة الاستقرار التي فرضتها زراعة الأرض وحصاد محاصيلها، وتقول الرواية.
مات رجل بدوي وترك وراءه زوجة وابنة جميلة. وكان يحكم القبيلة زير نساء ظالم، فأشفقت الأم على جمال ابنتها من عيون شيخ القبيلة البصاصة ومن نياته الخبيثة فهربت بابنتها ليلاً إلى أرض بعيدة حيث عاشتا على رعي الأغنام.
وذات يوم زار الأم وابنتها فارس جميل ومهيب كان يلفظ أنفاسه الأخيرة على صهوة حصان متعب، فقامت الأم وابنتها بإيواء الفارس وبتضميد جراحه واتضح لهما انه شيخ قبيلة مخلوع، اغتصب أحد الرجال حقه في زعامة القبيلة وحاول قتله. ومع الأيام نشأت قصة حب بين الفارس والفتاة. واستأذن الفارس بالسفر بعدما تعافى للأخذ بثأره من عدوه ولكنه وعد الحبيبة بالعودة لزيارتها بعد عام ليخطبها من أمها.

ويمضي عام والفتاة العاشقة تنتظر، ويطول الانتظار فتصاب بالجنون وتهيم في الصحراء الموحشة وهي تنادي أمها قائلة:
يمه ما جانا ما جانا (أي لم يأت إلينا). ومع الأيام حرفت (ماجانا) لتصبح (ميجنا) وراح الناس يعبرون من خلال هذا الموال عن غدر المحبوب وطعم فراقه المر.

هذا هو كنزنا الكبير وإرث الأجداد النفيس.. (التراث الشعبي) الذي شغل الناس وانشغل بهم بهمومهم، بمآسيهم وبأفراحهم وشكل جسراً للتواصل الاجتماعي فيما بينهم في زمن انعدمت فيه أية آلية أخرى للتواصل. ونجح هذا الموروث بأغانيه الجميلة، وبتعابيره البسيطة وبألحانه الفريدة في الاستحواذ على المشاعر والأحاسيس، وامتلك من قوة الجذب والإدهاش ما مكنه من عبور الأجيال وصولاً إلى اللحظة الراهنة، بفضل المسنين والعجائز وبالاتكاء على مخزون ذواكرهم الذي لا ينضب. تلك الذواكر الوفية لزمن البراءة الأولى.
هكذا كان أجدادنا يتواصلون بمواويل فيها من خفة الظل والظرف والإمتاع والمؤانسة الشيء الكثير. والميجنا مثلها مثل «أبو الزلف والعتابا والليا وجفنة والموليا» تؤسس لعلاقات اجتماعية متينة في بيئة جغرافية وتاريخية محددة وهي مرآة تعكس تجليات الحياة. ففي الموال نجد العشق والغرام، وحب الأرض والرهبة من البحر والأسفار والاحتفاء بالمولود الجديد وتأبين الميت وزفة العروس وإحياء طقوس الحصاد والحراثة. واليوم، لم يعد احد يذكر هذا التراث أو يتغنى به في الأماسي الباردة. ولولا فضل الباحثين وجهود الدارسين لاختفى هذا الجانب الأثير من ماضينا. وتتحمل وسائل الاتصالات الحديثة مسؤولية هذا الغياب، فقد تسببت في القطيعة بين أفراد الأسرة الواحدة وأهمها (الفيس بوك) المعاصر أجارنا الله من الوحشة والبرود العاطفي اللذين ينشرهما في الأجواء
والشكر الجزيل للأيادي البيضاء التي حفظت مواويلنا وأهازيج وأغاني أجدادنا من الضياع والاندثار. وفي هذا المقام أتوجه بالتحية للباحثة الدكتورة (فريال سليمة شويكي) التي زودت المكتبة العربية بثلاثة إصدارات توثيقية للفلكلور الشعبي الساحلي وللأغاني وللتقاليد المرتبطة بالحياة في الساحل السوري عبر كتبها الشائقة الماتعة (كنوز منسية) و (الزمن السعيد) و(الأغاني الريفية الساحلية) ولا تزال ماضية في رحلة التوثيق والوفاء لبلدها ولأهله الطيبين الأخيار.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق