10‏/09‏/2012

الجزائر: هوامش: بعيدا عن كرنفال "سيلا"..

كم كانت سعادتي كبيرة، وأنا أستلم عبر البريد التقليدي طردا من الكتب التي تفضّل بإرسالها إليّ الصديق الأديب بشير خلف، تمثّل واحدا وعشرين كتابا من إصدارات مديرية الثقافة "بالوادي"، التي كانت في وقت سابق قد قامت بطباعة إثنى عشر كتابا، فيما كان العدد مضاعفا في المرة الثانية، وقد تنوّعت هذه الكتب بين الشعر الفصيح والشعبيّ والقصّة والرواية والمسرح والدراسة، ومسّت كل حقول المعرفة والتأمل والتفكير ..

اكتفيت باستعراض بانورامي، وتصفّح عابر للكتب على أمل التمكّن من قراءتها لاحقا، ولكنّني سأسمح لنفسي بالعودة إلى بعض ما سبق ذلك الفرح أمام مشهد الكتب  لحاجة في نفسي أريدها مقارنة، حالا بحال..

لم يكن من السهل علي أن أفتضّ هذا الطرد المغلق بإحكام، ينمّ عن الحرص والتثمين للكتاب والجديّة التي عُرفت عن صديقنا بشير خلف، هذا المُكابد الثقافي الذي لا يكلّ ولا يملّ، ولا يأتيه الإحباط من بين يديه أو من خلفه، كما هو حال كثير من سدنة اليأس والقنوط.. 
في زاويتي بالمقهى، وعلى مرأى من رواده وفضولهم، تمّكنت أخيرا من نزع مغلف الكاغد المغلق بخيط اخضر، وبالشّريط اللاصق، كتب على الوجه الأوّل منه عنواني بخط رقعة جميل، وعلى الوجه الخلفيّ كتب عنوان المرسل بقلم لباد أسود ..

كان المغلّف الداخليّ عبارة عن كيس بلاستيكي أبيض، ربّما وضع لحماية الكتب في حال ما إذا كانت عرضة للماء..وهي تقطع طريقها الطويل من الوادي إلي ّعلى امتداد أسبوعين كاملين..

ربما لقارئ هذا الهامش أن يتساءل، لماذا أصرّ على رواية هذه التفاصيل الممّلة التي لا تفيد في شيء؟ ولكن أنا متأكد أن القارئ الذكي واللمّاح يستطيع أن يخمّن معي، ويكفيني مئونة التساؤلات اللاذعة، من قبيل: أين نحن من السلوكيات الحضارية المثمنة للكتاب والقراءة بالشكل المشرق الذي نلاحظه في الوادي وأين مديريات ثقافتنا التي يمكنها أن تحفظ للكاتب كرامته، ولا تتركه تحت رحمة ناشر يطلب منه مقابلا لا قبل له به،  أويسرق جهده الفكري دون وجه حقّ؟ لماذا تصنع "الوادي" هذا الاستثناء الجميل دون غيرها من المدن؟ 
لقد قمت بكل هذا اللفّ والدوران تهرّبا، لأنني خجول فعلا أمام واحد وعشرين كتابا، كان بودّي أن أعرضها في هذا الهامش، واحدا واحدا، غير أنّني اكتفي بالتحيّة والاعتذار "لكتّاب الوادي"، لأنهم كانوا لحظة فرح نادرة حلّقت بي بعيدا عن شجون راهننا الثقافي الضاغطة. 

وقد كان في نيّتي أن اكتب كلاما كبيرا عن إرهاصات "موت الرّواية"، وتراجعها عن واجهة مشهد الدخول الأدبي في فرنسا، لحساب التاريخ والسياسة وقضايا الراهن، وكان في نيّتي أن أربط كل هذا بما يحدث عندنا في "كرنفال سيلا ".. سوق الكتاب السنوي الوحيد الذي يتهافت عليه كتّابنا البائسون من أعماق الجزائر، متحمّلين أعباء السّفر ومصاريف الإقامة من اجل أن يحظوا ببيع بائس بالتوقيع وأخذ صور تذكارية..   

لقد حزّ في نفسي كثيرا أن يكتب كثير من الأصدقاء على جدرانهم الفايسبوكية، بأنهم سيكونون حاضرين بكتبهم.. في المعرض الدولي، فعن أي حضور يتكلم هؤلاء؟ وكلّنا يعلم بأن أهل السيلا معدودون، وأجنداتهم لا تتحمل بيعا بالتوقيع لأمثالنا، لأن الأماكن محجوزة لكتّاب ما وراء البحر وللكتّاب الذين لم يخطُّوا حرفا منذ سنوات، ولا أحد يعلم المعيار الذي على أساسه اختيروا ليكونوا ضيوف شرف للسيلا، بإمكانيات يفترض أن تكون لتشجيع الأجود والجديد .. أو منح كتّاب الجزائر العميقة فرصا متساوية لحضور فعاليات السيلا ..
جميل هذا الفرح بالكتابة والاعتزاز بها، لكن أن يتحوّل كتّابنا إلى "دلاّلين" غير مرغوب فيهم في سوق سيلا، فذلك أمر لا يرضاه شرف الكتابة وكرامتها ..وأشرف منه هو مقاطعة "السيلا " والتعبير عن ذلك علنا .. هناك خلل ما يا جماعة وعلينا أن نقترع هل هو في الكاتب أم الناشر أم في ما لا اعلم.. ؟

هل فهمتم الآن سرّ البداية، وتفاصيل الحكاية، وبؤس النهاية؟

أحمد عبدالكريم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق