01‏/08‏/2012

الأردن: مثقفون أردنيون يعاينون آفاق حرية الإبداع وحدودها

عمان – بترا:

تنامى الابداع ويزدهر بشتى صنوفه بالحرية التي من خلالها تكفل للمبدع التعبير عن احاسيسه ومشاعره تجاه ما يدور في هذا الكون.
حرية المبدع وحدود التعبير عنها تبدو معضلة المبدع وهو ينحاز الى جانب قيم الحق والخير والجمال في الوجود والحياة .
وفي موضوع حرية الابداع وحدود التعبير يقول الشاعر الدكتور راشد عيسى انه لا يتصور ان للابداع حدودا واسيجة مغلقة سواء في الاشكال او المضامين، هناك حرية فنية مدروسة كلاعب السيرك الذي يستطيع ان يتقافز فوق الحبل كما يشاء شرط عودته للحبل من غير ان يقع.
ويضيف ان العبثية المطلقة والخارجة عن جماليات الفن من اجل الخروج فقط ليست حرية ابداعية بقدر ما هي تميع فني غير مسؤول.
ويرى عيسى ان المبدع الاصيل يتحكم بالقيود الفنية ويجيرها لصالح حرية الشكل والمضمون، فهو لا يرفضها بصفتها قيودا ، لان الفن لا يتقيد , وهو مشروط بنمائه الدائم , انما يخادعها ويطوعها ليحرر العمل الابداعي من القيود.
وتقول الباحثة الدكتورة ثريا ملحس انه من الصعب تعريف الحرية ودلالاتها ومضامينها تماماً كما يصعب تعريف الانسان ومتاهاته العقلية والنفسية التي تنطلق منها اراداته وتخيلاته وابداعاته.
وتبين انه على رغم كل ذلك فان استعمالات الحرية المتكررة باقلام الكتّاب تبدو تدور حول مقولة انه لا ابداع من دون حرية أشعراً كان أم نثراً، ام رسماً، ام نحتاً، ام موسيقيا.
وترى ان الابداع ليس فقط في حقل الفنون، بل هو في المسائل والقضايا العلمية بالقدر نفسه، فاذا آمنّا بحرية الابداع في شتى انواعه , فلا بد انه منبعث من الحرية ، والابداع لا يترعرع الا بالحرية ، ولا يتفرّع الا عنها ولا يتنوع الا بها ولا يخترع الا بها فلا حدود عندئذ للتعبير عن تلك الابداعات.
وتؤكد ملحس ان للكاتب الحرية المطلقة في التعبير عما يدور في خاطره شرط ان لا يؤذي نفسه ولا غيره بمشاهد ورؤى وافكار شائنة عبر تحدي المعتقدات الروحانية السامية، وكينونة الانسان , كاشفة ان بين اهم واجبات المبدع ان يرتقي بالانسان روحياً وذهنياً وكرامة وذائقة للتخفيف من المأساة الكبرى في الحياة وفي الموت وما بعدهما.
اما المفكر هشام غصيب فيقول ان الفكرة الرئيسية هي إنه اذا حد الابداع حدودا صارمة سواء اكان الابداع فكريا ام ادبيا ام موسيقيا وغيرها , فان ذلك بمثابة قتل الابداع واستحالته ، فالاصل ان لا يحد الابداع اي حد خارجي بمعنى ان حدوده تنبع من ذاته ومن داخله .
وعلى اي حال كما يضيف فليس هناك جهة مخولة غير المبدعين انفسهم للحكم على حدود الابداع واعنى بذلك ان العمل الابداعي ينبغي ان يكون مقرونا بحركة نقدية تضم في صفوفها النقاد المتمرسين القادرين على تحليل الاعمال الابداعية وتقويمها وليس وظيفة اولئك النقاد منع ظهور الاعمال الابداعية انما تكمن وظيفتهم في تحليل الاعمال الادبية وتقويمها.
ويقول غصيب انه عندما نأتي الى قضية نشر الاعمال الابداعية , فان المفروض ان يكون متخذو القرار بالنشر من النقاد والمبدعين انفسهم ، ومن الضروري ان تضبط عملية نشر الاعمال الابداعية من المبدعين والنقاد انفسهم ضمانة لبلوغ مستوى ابداعي يليق بالمبدع .
واوضح ان الذي يتحكم بسوية الاعمال الابداعية المنشورة في الدول الغربية هو دور النشر ومؤسسة المجتمع المدني الثقافي وعلى اسس حرفية دقيقة، وليس لديهم جهة رسمية مخولة لمنع نشر هذه الاعمال واذا قارنا سوية ما ينشر عندنا بسوية ما ينشر عندهم رأينا الفرق الشاسع بين السويتين لصالحهم.
ويعتبر المخرج المسرحي حكيم حرب انه في زمن (الانترنت والستالايت) الذي تحول فيه العالم الى قرية صغيرة يجري فيه تبادل المعلومات والاتصالات بمنتهى السهولة والسرعة بعيدا عن مقص الرقيب وتقارير اللجان وقوائم المحاذير والممنوعات ياتي من بيننا لكي ينصب من نفسه حارسا وقيما على الابداع .
ويشير الى ان العالم تغير وبان عقلية الماضي لا يمكن باي حال من الاحوال ان تسود الان لانها وببساطة شديدة اثبتت محدوديتها وضيق افقها وعدم جدواها لان الحياة بطبيعتها تميل نحو التغيير والتطوير وترفض اشكال القيد والمنع والمصادرة برمتها .
ويتساءل حرب «عن خوف بعض الفئات من المبدع سواء اكان كاتبا او شاعرا او فنانا، مفترضا بذلك ان الناس تتابع هذا المبدع وتنشغل بما يقدم , مع ان الحقيقة ان هناك خراب فكري وفقر ثقافي» .
ويرى حرب ان الانسان ما دام يثق بثقافته وتاريخه وموروثه فعليه الاقرار ان جهود المبدع تصب في اتجاه تطوير ثقافته وحضورها بين الثقافات الانسانية , ومن حق المتلقي سواء اكان قارئا او مشاهدا او مستمعا ان تتاح له فرصة تقييم ما يتلقاه دون تدخل رقابي من أية جهة سوى ضمير المبدع .
ويؤكد الاديب والشاعر محمد سلام جميعان انه لا حدود لابداع الانسان ، فليست الغاية من الابداع ارضاء الناس او اغضابهم ، للمبدع حرية وارادة لا تنطمس في خضم الخطوط والاصوات والتمجيد والتبخير بل ترتقي في الزمان والمكان.
وهنا لا اتحدث كما يقول عن الفن العقيم الذي يحرص على الاصطدام بالاخر فنا وادبا واعتقادا بل اتحدث عن الفن والاديب فليست وظيفة المبدع ان يطلق دخانا يعمى البصر والبصيرة , انما وظيفته ان ينير بشعاع ابدي النفس ويعتقها من نقصها .
ويطالب جميعان بانطلاقة الابداع نحو فضاءاته الرحبة لانه لا قيمة لابداع الا بقدر ما يغوص في هموم وامال اولئك الذين كتب من اجلهم.  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق