08‏/08‏/2012

مصورو الفوتوغراف السوريون.. فنانون يوثقون الجمال بكاميرا الحلم

 

دمشق - سانا:

حقق مصورو الفوتوغراف السوريون حضورهم في الوسط الفني التشكيلي مقتحمين عالم الصورة بخبرات دمجت بين خصائص اللوحة التشكيلية وميزات الكاميرا التقليدية التي استوعبوا ميكانيكيتها باحثين عن آفاق أخرى لفن الفوتوغراف حيث تعددت موضوعاتهم فلم تقتصر على الطبيعة الصامتة بل تعدتها نحو تكوين أرشيف بصري للحياة اليومية السورية معززين بذلك مشروعية الفوتوغراف كفن قائم بحد ذاته قادر على منافسة المحترف التشكيلي ليأخذ مساحته الخاصة من المعارض الجماعية منها والفردية.
ويمثل فن الفوتوغراف السوري اليوم أحد أهم الوثائق المادية عن الموشور الثقافي المحلي الذي استطاع فنانو التصوير الضوئي نقله عبر كاميراتهم متكئين في ذلك على حساسية فنية عالية استعارت من التجريد وفنون التكوين في الفراغ إضافة إلى تقنيات الوسائط المتعددة /المالتيميديا/ كالفيديو ارت والإنستوليشن فضاءات متنوعة للصورة التي نهلت بدورها من المعيش اليومي مواكبة لأنماط حياتية في الريف والساحل والجبل وعلى امتداد البادية السورية.
وتشكل تجربة الفنان بسام البدر مقطعاً بارزاً في تناول الحياة اليومية التي اشتغل عليها هذا الفنان بعين فائقة الوعي بالقيمة الزمنية للوحة الضوئية لينقل البدر مشاهدا من كبريات المدن السورية في حلب ودمشق وحمص وحماة موزعاً موضوعات صوره بين وجوه الناس وحركتهم على الأرصفة وأمام المحال التجارية وفي أماكن عيشهم متنقلاً بين ريف اللاذقية ودير الزور والرقة والقامشلي مسجلاً لقطات لا تنسى من قوارب صيادي السمك على نهر الفرات ودجلة والخابور جنباً إلى جنب مع شباك صيادي طرطوس واللاذقية وجبلة.
وتعتبر تجربة البدر التي وصلت إلى أوجها في معرضه الذي أقامه في خان أسعد باشا بدمشق تحت عنوان /الحركة حياة/ ذروة من ذروات عطاءاته حيث تغدو المفارقات التي تسجلها كاميرته عابقة بالسخرية والكثافة والحنين بعيداً عن كونها مصادفات لمصور فوتوغرافي تجول بين المدينة والريف السوريين إذ غادر الفنان هنا مفهوم صالة العرض التقليدية ليلتصق عبر فنه بيوميات الناس من خلال لوحات جسدت مشاهد من البيوتات الدمشقية العريقة على نحو رجل خمسيني يتجول في فردوسه المنزلي برفقة زوجته العجوز ليكون الموضوع في الصورة عبارة عن انعكاس للحالة الإنسانية الداخلية التي يصطادها هذا الفنان بدراية ودربة كبيرتين.


وما يميز تجربة /البدر/ أنها ليست تقليدية في فن التصوير الفوتوغرافي إذ بالكاد يمكن إدراك العناصر التي تجمعها صوره لتغدو مجموعة من الأخيلة والإضاءات المتفاوتة واللطخات اللونية وفي هذا يقول المصور السوري.. أريد من ذلك الوصول إلى أعمق وأبعد مما نراه لتقديم شيء يقع خلف العين الطبيعية للكائن البشري فالعالم الداخلي لوجوه من أصورهم هو ما يعنيني ولذلك أستغرق زمناً طويلاً في البحث عن تلك الومضات الإنسانية الدفينة التي يشكل فيها الوجه ذاتاً وموضوعاً للوحة الضوئية التي أطمح إلى توقيع اسمي عليها.
ويعتمد البدر في عمله على سرعات بطيئة إلى بطيئة جداً مقترحاً قراءة جديدة لدور مغلاق العدسة لتحقيق لوحة ضوئية مغايرة فالصورة عادة ما تثبت الحركة تحنطها تخطف روحها مدعية كثافتها انطلاقاً من لقطة تعبر بلمح البصر لكن بسام يريد لصوره أن تحتفي بالحركة فلا يقيدها بل يريد لهذه الحركة أن تأخذ مداها وأن يعبر الموجودون فيها عن كيانهم بحرية كاسراً بذلك حالة التلقي التقليدية للصورة.
وقال البدر.. ما يعنيني كمصور هو تقديم حال تشكيلية وإضفاء بعد وعمق لا توفرهما الحالة التوثيقية التي تكون عليها الصور عادة لتكون ذات بنية خداعة للعين فلا ينفك الناس يسألونني إن كان ما يرونه صوراً أم رسوماً لكنني أحرص أن أحافظ على ماهية صور يبدو بعضها وكأنها صور للوحات زيتية بكل ما يعنيه ذلك من ضربات لون قوية وإضاءات موزعة وخطوط تكسر هيئة الشخصيات فيها.
ويضيف ابن الجولان السوري أنه يمكن الإحساس بفحوى تجربتي الضوئية عند مشاهدة بعض الصور والولوج إلى تكثيف حالات إنسانية أجعلها أكثر جمالية وتعبيراً كثمرة رحلة بدأتها بالتجريب ولم أبرأ منه حتى الان فأنا كمصور لا أستطيع ضمان نتيجة اللقطة الطويلة التي أرصدها وكل ما يمكنني تقديره هو أن الكادر والمنظور سيوفران لي صورة جيدة ليتبقى دائماً ما نسبته خمسون في المئة متروكة للمفاجأة سلباً أم إيجاباً بالنسبة لما أتوق إلى الحصول عليه والقبض على حضوره في المكان والزمان.
تجربة أخرى لها خصوصيتها الفنية في عالم الصورة حققتها المصورة الفوتوغرافية /كارول فرح/ لاسيما في عملها مع احتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية عام 2008 لتكون إحدى أبرز بنات جيلها اللاتي استطعن تحقيق حساسية مغايرة في ميدان التصوير الصحفي ناقلة فسحات جديدة للضوء والأمسيات الثقافية السورية عبر عدسة ذكية تتخذ زوايا نظر بعيدة عن تقريرية الصور الصحفية التقليدية.
وتمكنت فرح من إعداد مقاطع فوتوغرافية فيلمية عن بيئات متنوعة داخل سورية كان أبرزها عملها على بيئة جبل العرب في السويداء موثقة لمجاميع متعددة من الأزياء الشعبية والعادات والتقاليد في تلك البيئة حيث نشرت فرح بعضاً من هذه الأعمال في مجلة /من وإلى/ الفلسطينية كأيقونات ثقافية عبرت عنها الفنانة الشابة بطلاقة بصرية لافتة وعين ذكية مزجت بين الظلال والأنوار من جهة وبين نهارات وليالي بيئة الجنوب السوري العابقة بجماليات المكان والإنسان على حد سواء.
ونجحت الفنانة الضوئية في الحصول على جائزة الإعلام العربي لحقوق الطفل عن فئة التصوير الفوتوغرافي لتشكل تجربتها حول موضوع /عمالة الأطفال في سورية/ ضمن المسابقة التي أجرتها منظمة اليونسيف لحقوق الطفل سياقاً جديداً لتجربتها التي استطاعت نقل مشاعر إنسانية عالية عن عالم الطفل السوري وهواجسه وأحاسيسه ضمن عدة متغيرات اجتماعية وديموغرافية تشكل البنية الأساسية في تكوين عالم الصغار.
وقالت المصورة /فرح/ حول القصة المصورة التي شاركت بها في تلك المسابقة.. إن الدافع الإنساني هو أول ما حفزني لاختيار موضوع قصتي المصورة إضافة للفضول الصحفي الذي يتملكني تجاه عالم الأطفال المليء بالأحلام والأناشيد البريئة والرغبة العارمة في إصلاح العالم لأنجز ما يشبه كتاباً مصوراً عن قصص حقيقية لأطفال عايشت تفاصيل حياتهم اليومية وعشت معهم لفترة من الزمن.


وتضيف /فرح/ لا أتعامل مع موضوع الطفولة كصحفية عابرة بل أحاول التدخل في حياة الطفل ومساعدته عبر تشجيعه على ممارسة بعض الهوايات كالرسم والرياضة وما إلى هنالك محاولة عبر كتابي لفت انتباه المعنيين والمنظمات الإنسانية حول قضايا الطفولة إضافة إلى محاولة إخراج ما هو مميز من أولئك الأطفال عبر الصورة التي تبدو لي نصاً قائماً بحد ذاته.
وترتسم ملامح تجربة ضوئية لافتة من خلال أعمال الفنان /حسين صوفان/ لاسيما أنه دأب طوال السنوات العشر الأخيرة على توثيق الحركة المسرحية السورية المعاصرة بكاميرته التي تقترب في عملها من ماهية الريشة في اللوحة التشكيلية لنكون أمام متحف بصري تشكيلي مسرحي سينمائي في ان معاً فأعمال /صوفان/ ليست مجرد صور بل هي إنجاز جمالي كبير اتخذ من العروض المسرحية السورية موضوعاً جوهرياً له فليست الصورة حدثاً بحد ذاته بل جزء من موضوع فني يكون فيه ممثل المسرح عبارة عن منحوتة ضوئية كاملة التكوين في حضوره الروحاني والجسدي والنفسي.
ويقول الأديب الراحل /عادل أبو شنب/ في تجربة الفنان /صوفان/ التي أدهشته.. اعتبر حسين من الشباب العرب القلائل الذين نذروا أنفسهم للفن وأنه عاش ويعيش وهو يثقف نفسه ويريد أن يعطي جديداً في دراسته سواء أكانت في التصوير أم المسرح وخاصة أنه أمضى نحو 8 سنوات من عمره وهو يلاحق حلمه في تجسيد العمل المسرحي الغنائي الذي يجمع فيه أبا خليل القباني بسيد درويش ليعد /صوفان/ الأمل بأن الشباب العربي لايزال جاداً في عمله وحلمه.
وأنجز /صوفان/ ما يشبه سينما فوتوغرافية عن عروض مسرحية تصدى لتوثيقها بكاميرته على نحو /سوبر ماركت.. تكتيك.. كريوغراف.. سيليكون.. أليغرو.. حكاية السيدة روزالين.. المهاجران.. كونتراكت.. عواقب.../ ليحقق بذلك منهجاً في فن التصوير السوري المعاصر بعيداً عن كليشيهات التصوير الصحفي متصدياً لأرشفة معظم العروض على الخشبة السورية التي شكلت ذاكرة بصرية غنية في تكويناتها الجمالية حيث يلعب الجسد على المسرح دوراً حاسماً في بناء المشهدية التي يطمح صوفان إلى نحتها بعدسته مؤكداً على أن المسرح هو المكان الأمثل للرسم بالكاميرا وفي تقطيع الضوء وتوزيعه وإعادة صياغته وانعكاساته على جسد الممثل أو الراقص على الخشبة. 


وقال الفنان /صوفان/.. كثيراً ما نعبر من جانب الجمال دون أن ننتبه له فهو مختبئ في زوايا الحياة اليومية والمصور الماهر هو الذي يبحث عن لقطته بمنتهى الصبر وفي أحيان كثيرة قد يصور بعضهم عشرات الصور ليعثر على صورة مهمة بين هذا الكم من الصور لأن الصورة المهمة هي التي تؤثر في الوجدان والروح وتبقى طويلاً في الذاكرة كما أن الجمال الذي نبحث عنه هو النقيض الحقيقي للبشاعة والكراهية الجمال الذي نريده ‏هو حياتنا كما نشتهي أن نعيشها الجمال بوح صادق في أزمنة التلوث وجرأة لفتح صفحات خالدة في حياة عابرة.
وأضاف.. أول مايخطر في بالي أن أجد أحداً أستطيع أن أقدم له المساعدة بصورتي التي ألتقطها.. لست سعيداً بأن أمتص كل يوم حزن الناس.. أتمنى دائماً أن ينبجس من كل هذا الحزن أمل صغير فالانتظار هو أكثر ما ألاحظه كلما دخلت إلى المقهى أعلم أنني سأقابل في الجهة اليمنى مجموعة أعرفها وفي الجهة اليسرى مجموعة أخرى أعرفها.. وهكذا.. وأشعر أنهم كلهم ينتظرون شيئاً ما هم أنفسهم ربما لا يعرفونه هكذا حتى ينقضي يومهم في المقهى فأحاول أن أصطاد وراء كل هذا العبث واللا جدوى شيئاً من الأمل فيما هو آت.. دموعهم المختفية في محاجرهم.. ليس فيها من الأمل شيء.. إنها واحة من الانتظار وحسب.
‏وعن شغله في التصوير قال صوفان.. عندما أريد أن أصور أحداً من الشخصيات المختلفة التي توجد في المقهى أو الشارع أو على الخشبة أكون قد تعرفت عليها وألممت بشيء عنها.. أنا لاأصورهم قبل أن أحبهم أنا أبحث دوماً عن تاريخهم ومكنوزهم في وجوههم فالشيء الوحيد الذي يتغير من المشهد ذاته والطبيعة ذاتها هو اللون.. أما المتغير الثاني فهو كتل الأشخاص المتوزعة في الفراغ شخصيات تتحرك في المكان نفسه ولكنهم يتغيرون كل يوم والسماء هي مهندس الإضاءة والأرض هي مدير المنصة وكل يوم تختلف جماليات هذا العرض المسرحي باختلاف حظوظي كمشاهد لهذا الاختلاف اليومي. ‏
ويوصف /صوفان/ الكاميرا بأنها الحاسة السادسة عند المصور قائلاً.. إن الكاميرا هي الشيء الذي عندما يمسكه المصور يملك قوة غريبة وعندما ينظر من عدسته يكون قد امتلك مفتاحاً جديداً للحياة يتحكم هو بأحداثه وأشخاصه فأحياناً أصور أشخاصاً أتمنى الاحتفاظ بهم لأنني مؤمن أن الفوتوغرافي هو إمبراطور جبار يستطيع أن يمتلك جميع الأشياء التي يراها. ‏

سامر إسماعيل- سانا 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق