02‏/08‏/2012

الإمارات: أسواق من حنين


حسين درويش:

بما من فكرة إحياء أصالة الأسواق العربية القديمة، جاءت الممرات الضيقة ونوافير الفسيفساء الملونة، والجدران الحجرية والعربات الخشبية، والأقمشة والتوابل، لتحول زيارة "سوق مدينة جميرا" في دبي إلى رحلة في جنبات التاريخ، حيث يمكن للمرء أن يتذكر تلك الأزمنة الغابرة، أو أن يزداد شوقاً إلى أسواق أخرى ما زالت تحتفظ بأصالتها وطاقتها الروحية، التي تدفعك ليس إلى مغامرة مشاهدة التاريخ فحسب، بل إلى العيش فيه.

كلما زرت تلك السوق حملتني رائحة الذكريات إلى سوق "المدينة" في حلب، تلك السوق المسقوفة التي تمتد لمسافة 16 كيلومتراً، والمتصلة ببعضها البعض بدكاكين صغيرة تعود إلى القرن الرابع عشر، حيث يتوارث الأحفاد عن آبائهم وأجدادهم التجارة ذاتها، ذكريات يمزقها دوي الطلقات كلما جاء صوت الأحباء واهناً خائفاً ويائساً، وكأن الحياة سلمت مفاتيحها لسياف الزهور في تلك المدينة الرائعة.
تتشابه أسواق الشرق في جمالها، كما تتشابه في بعدها الاجتماعي، غير أن "سوق مدينة جميرا" لها نكهتها المتفردة، فهي مزيج من الأسواق ذات الطابع الإسلامي، بلمسة عصرية تتيح للزائر التجول بحرية في أطرافها، كما أن نكهة "سوق البهارات التقليدية" تضفي لمسة محلية خالصة إلى السوق، لن ينسى الزائر رائحتها.

لقد نجحت دبي في إعادة إنتاج مفردات حضارية تاريخية، بلغة تماشي العصر، وخاصة الطراز المعماري للأسواق المسقوفة، حيث البراجيل والأقواس الخشبية والجسور والأعمدة المزخرفة، التي تحاكي الطراز القديم والتي تسحر الزوار وتحول جولتهم في السوق إلى رحلة ثقافية ترفيهية قبل أن تكون اقتصادية، جولة تصحبك فيها الوجوه واللغات والثقافات.

 بين سوقَي حلب ودبي مسافة واهية من الجغرافيا الروحية، مسافة بيضاء من الذكريات يعرفها من زار حلب وتجول في أزقتها، ويدرك سرها من أعطته المدينة شيئاً من عذوبة عيشها وفرادة تاريخها، وأجزم أن الحنين يناديه للعودة إليها، فقد أصابه سحر المكان في عمق روحه. كلما مررت بتلك السوق "سوق مدينة جميرا"، أجدني قد طرت بذكرياتي إلى حلب، مدركاً نعمة الأمان التي تقود المرء إلى دبي، حيث يضع الإنسان رأسه على وسادة الطمأنينة ويحلم بغد أفضل للأجيال الجديدة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق