01‏/08‏/2012

الرسائل الفلسفية الصغرى.. كتاب الفارابي في إصدار جديد


دمشق-سانا 

يقدم لنا الباحث العراقي عبد الأمير الأعسم كتاباً في غاية الندرة والأهمية من عيون التراث العربي مصدراً نسخة جديدة من كتاب (الرسائل الفلسفية الصغرى) للفارابي فبعد مؤتمر حضره الكاتب في بغداد عام 1975 برفقة كبار الأساتذة العرب والمستعربين من الشرقيين والغربيين حيث لمس المؤلف وقتها الأهمية البالغة لنشر رسائل الفارابي الفلسفية غير المحققة تحقيقا علميا وافيا وذلك لإحاطة الدارسين بماهية هذه الرسائل الثمينة.
وحقق الأعسم كتابه الصادر حديثاً عن دار التكوين بدمشق بين عامي 1977 و1978 إذ تفرغ علميا من جامعة بغداد إلى جامعتي كامبردج وأكسفورد لغرض البحث في منطق الفارابي فكانت فرصة ذهبية لجمع كل مخطوطات الفارابي في كل من مكتبات إنكلترا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا وتشيكوسلوفاكيا علاوة على ما كان الأعسم قد جمعه من قبل في كل من بغداد ودلهي وكابول وطهران واسطنبول والقاهرة عام 1976.
ويقسم الباحث العراقي كتابه في ثلاثة أقسام يخصص فيها القسم الأول للمؤلفات المنشورة المحققة تحقيقا علميا رصينا كما فعل الدكتور محسن مهدي مع كتاب الحروف وكتاب الألفاظ المستعملة في المنطق فيما يركز في القسم الثاني على مؤلفات نشرت مراراً لكن ليس لها مقابل في أصول مخطوطة أخرى على نحو ما وجده في نشرات حيدر آباد والقاهرة وبيروت أما القسم الثالث فخصصه لمؤلفات أهملها الباحثون في النشر معتمدين طبعات قديمة لقراءة نصوص الفارابي ليكون القارئ أمام الرسائل الصغرى والرسائل الوسطى بعد مقابلة مسودات البحث ومقاربتها.
واستعان الباحث في مقاربة الوثائق التي جمعها على قراءة النصوص الفلسفية بجهد طلابه في الدراسات العليا لتدريبهم على أصول التحقيق يذكر منهما الدكتور محمد محمود والدكتور حسن مجيد إلا أن المسودات التي جمعها هذا الباحث لرسائل الفارابي بقيت قيد أدراج مكتبته حتى عام 1999 عندما شجعه على ذلك مساعدة أحد طلابه اللامعين الدكتور حسن فاضل فعاونه على تبييضها لتكون هذه المخطوطات كنزاً لطلاب الفلسفة العربية أينما كانوا.
يقول الأعسم في معرض تقديمه للكتاب.. إن إخراج الرسائل الفلسفية الصغرى للفارابي على النحو الذي أقدمه هنا مدين للزمن الطويل الذي استغرقه إعداد هذه الرسائل للنشر لكن المدهش في أمر نشرها يبقى توليدا للأحداث وفق نظرية توليد الأفعال عند المعتزلة فقد سلمت الناشر في دار قباء في القاهرة بحضور الدكتورة زينب الخضيري في أثناء انعقاد ندوة الجمعية المصرية سنة 2000 ولم أسأل عن طبعتها إلا بعد أن توقفت الدار عن الإصدارات ليتعطل مشروع نشر هذا الكتاب ولتأتي الحرب الأمريكية على العراق لتؤجل المشروع مرة أخرى إلى أن قامت دار التكوين بدمشق بتبني المشروع.
ويوضح الباحث العراقي في مؤلفه القيم أهمية الفارابي الذي حمل لقب المعلم الثاني تشبيها بأرسطوطاليس فاتحاً أبواب الفكر الفلسفي في الإسلام على مصراعيه أمام المشتغلين بالفلسفة في عصره وفي العصور التالية فطبع الفلسفة العربية بطابعه في التأليف والتلخيص والشروح ليمتد أثره إلى ابن سينا الذي كان فارابياً في شطر من حياته حتى استقل بتأسيس مدرسة ما وراء بغداد من جهة الشرق فدعيت بالمدرسة المشرقية تمييزا لها عن مدرسة بغداد.
ويضيف الأعسم.. ان الفارابي درس النحو واللغة ودافع في مناظرة شهيرة جمعته مع أبي سعيد السيرافي عن المنطق الأرسطوطاليسي وأثره على النحو العربي حيث كان السيرافي يعد واحدا من المعتزلة البارزين في النحو العربي ليكون للفارابي تلامذة كثر من مدرسة بغداد المنطقية مثل يحيى بن عدي وأبو سلمان فكان من تأثيراته الواضحة في تلك المدرسة شيوع النزعة المنطقية بكل امتداداتها في أنشطة فلاسفة بغداد وبخاصة اتجاهات الجدل في مجلس السجستاني.
وتأثر الفارابي بالأفلاطونية في الأخلاق والسياسة وبالأفكار الرواقية بعد أن كان قرأ الفلسفة القديمة بإمعان شديد وتبحر بقضاياها على نحو لا نظير له في تاريخ الفلسفة الإسلامية إلا ابن سينا الذي قاربه بالاجتهاد وأخذ عنه معضلات الفلسفة فرسائل الفارابي التي حققها الأعسر ليس كلها صحيحة الانتساب إليه في التأليف فمنها ما يشك في أصولها فرسالة الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون وأرسطوطاليس إنما هي منحولة عن الفارابي وهي الرسالة التي يحتج بها الباحثون للتدليل على أن الفارابي خلط بين فلسفتي الحكيمين اليونانيين إلى الحد الذي جمع بينهما جمعاً قسريا.
ويضم الكتاب الذي يقع في 403 صفحات من القطع الكبير أهم المخطوطات التي تركها الفارابي أبرزها رسالة في أغراض ما بعد الطبيعة لأرسطوطاليس ورسالة تلخيص نواميس أفلاطون ورسالة زينون الكبير ورسالة في السياسة ورسالة التنبيه على سبيل السعادة ورسالة ما ينبغي تعلمه قبل الفلسفة إضافة إلى رسالة الدعاوى القلبية ورسالة فصوص الحكم فضلاً عن مسائل متفرقة تركها المعلم الثاني كعدة فكرية لفلاسفة الأرض قاطبة وخاصة العرب منهم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق