26‏/08‏/2012

دمشق: بدوي الجبل في ذكرى رحيله.. ذاكرة وطن لا تغيب


دمشق - سانا:

(سأموت هنا في أرض الشام.. فمهما حدث لي في وطني أخف علي من جنة الغرباء) كلام قاله الراحل الكبير بدوي الجبل لصديق عمره الشاعر شفيق جبري فالبدوي الذي عاش في النمسا سنوات من عمره لم تغنه عن بلده سورية فسرعان ما ألم به الحنين إلى أرض الشام ليعود إليها مخال يعود إليها مخاطباً دمشق من جنيف عام سريرتي حب لجمرته التهاب.. أنت اللبانة في الجوانح لا النوار ولا الرباب.. لك مهجتي وقبولها منك الهدية والثواب.. غالبت أشواقي إليك ويضرم الشوق الغلاب.. ووددت لو عمرتْ رباك وألف عامرة خراب.. أنا طيرك الشادي وللأنغام من كبدي السراب.. يا شام يا لذة الخلود وضمّ مجدكما انتساب.

ولقد شغلت دمشق الشاعر الراحل فأحبها أكثر من أي مكان في الكون ففي الشام وأرضها أسند محمد سليمان الأحمد المعروف بـ(بدوي الجبل) رأسه مودعاً ظهيرة يوم 19/8/1981 بعد معاناة طويلة مع المرض فالشاعر المولود في اللاذقية عام 1903 لطالما كان بيته في حي أبي رمانة قبلةً لكبار رجالات السياسة والفن والأدب من كل أرجاء الوطن العربي في بيت البدوي كان الرحابنة وفيروز وفليمون وهبي وعمر أبو ريشة وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب ورياض الصلح وشكري القوتلي وغيرهم الكثير ممن كانوا يوءمون ذلك البيت متحلقين حول شاعر العروبة الذي قال فيه صديقه نزار قباني.. بدوي الجبل هو السيف اليماني المعلق على جدار الشعر العربي.

ولا يختلف كثير من الأدباء والشعراء والناس مع البدوي في مدرسته الشعرية حيث لم يجمعوا على أهمية شاعر عربي كما أجمعوا على البدوي فالشعر لدى هؤلاء فيه قمتان المتنبي وبدوي الجبل ولهذا الربط قيمة وأهمية فالشاعر نهل من روضة والده العلامة سليمان الأحمد فقيهاً وشاعراً وصوفياً شارحاً للشعر الصوفي الذي شكّل ركناً مهماً في فهم التصوف مما جعل من هذا الشاعرمرجعاً لغوياً وأدبياً عميقاً فلسفة ورؤية متسلحاً بالعدة التي افتقدها الكثيرون حيث قاربت أشعار البدوي في صنعتها البديعية قصائد المتصوفة الكبار مثل الشريف الرضي كما في قصيدة (اللهب القدسي) التي يقول فيها.. جلوت طيفك عن عيني فأسلمه.. إلى الدجى وإلى الإعصار مأواه.. فيا لكنز شكت منه جواهره..وضاع عن نفسه لما أضعناه.. صحا الفؤاد الذي قطعته مزقاً.. حرى الجراح ولملمنا بقاياه.

وكان البدوي من ذلك الجيل الذي شهد فترة الإحتلال الفرنسي لسورية فعانى من ويلاته حتى شهد فرحة الجلاء وغناها إذ كان هذا المبدع الكبير مقاوماً أصيلاً بقصائده لبطش المستعمر الأجنبي وظلمه ففي أشعاره من الشعر الوطني العظيم ما يكفي ليضعه في الصف الأول من الشعراء الوطنيين الذين أعطوا بلدهم خلاصة حياتهم وفي هذا المجال يذكر النقاد للبدوي قصيدته الشهيرة التي ألقاها في عيد الجلاء الأول أمام الرئيس الراحل شكري القوتلي بعد انتصار الإرادة الوطنية السورية على الباغي الفرنسي فيقول.. جلونا الفاتحين فلا غدواً.. نرى للفاتحين ولا رواحا.. فلا حرم الشهيد بروض عدن.. على بردى عبوقاً واصطباحا.. أتنكرني الشآم وفي فؤادي.. تلقيت الصوارم والرماحا.. وغنيت الشآم دماً وثأراً.. فلا شكوى عرفت ولا نواحا.

وكان البدوي من أبرز الشخصيات الوطنية التي وقفت في وجها لاستعمار الفرنسي حتى قبيل الجلاء لتكون قصائده صرخة في وجه الظلم والعبودية ودعوة لكل حركات التحرر العربية والعالمية سواء في البلاد العربية التي كانت تناضل حينها لنيل الاستقلال أو حتى في أوروبا نفسها وخير دليل على ذلك قصيدته (إني لأشمت بالجبار) والتي ألقاها في هجاء سياسة الإنتداب التي اتبعتها الدول الغربية في سورية والعراق ومصر وسواها من البلدان العربية.

يقول البدوي" يا سامر الحي هل تعنيك شكوانا.. رقّ الحديد وما رقوا لبلوانا.. قل للألى استعبدوا الدنيا لسيفهم.. من قسم الناس أحراراً وعبدانا؟.. إني لأشمت بالجبار يصرعه..طاغ ويرهقه ظلماً وطغيانا.. لعل تبعث الأحزان رحمته فيصبح الوحش في برديه إنسانا.. سمعت باريس تشكو زهو فاتحها.. هلاّ تذكرت يا باريس كوانا.. والخيل في المسجد المحزون جائلة.. على المصلين أشياخاً وفتيانا.. والآمنين أفاقوا والقصور لظىً.. تهوي بها النار بنياناً فبنيانا. ويعتبر البدوي من أوائل الشعراء السوريين الذين أرخوا بقصائدهم إلى جانب كل من نزار قباني وخير الدين الزركلي والأخطل الصغير ذاكرة الإنسان السوري فكان في مقدمة الشعراء الأكثر التصاقاً بسورية التاريخ و المدينة والإنسان حيث لا تخلو قصائده عموماً من ذكر الوطن والحديث عنه ليتميز عن غيره بأنه إن ذكر الشام ببيت واحد في القصيدة كان هذا البيت هو بيت القصيد فالبدوي من أكثر الشعراء الذين كانت نصوصهم بمثابة رابط بين الماضي التاريخي والماضي الحضاري لوطنه يقول البدوي" أما الشآم فلم تبق الخطوب بها.. روحاً أحبّ من النعمى وريحانا.. فمن رأى بنت مروان انحنت تعباً.. من السلاسل يرحم بنت مروانا. واستطاع الشاعر بلغته الفنية العالية التي ضمنها قصائده توثيق ذاكرة وطن بأكمله متناولاً في أشعاره حنين الإنسان العربي إلى بلاده لتكون القصيدة لدى البدوي أيقونة شعرية عالية في بناءاتها الفنية واصلاً بين جيل تربى على حب القصيدة العمودية الكلاسيكية وقصيدة الحداثة التي لم يمل إليها البدوي في نصوصه إلا من بوابة الأصالة والإلتزام بالحفاظ على الإيقاعية الشعرية العربية التي انتمى إليها هذا المبدع بقوة المفردة وجزالتها وطواعيتها لإلهامه العبقري الدفاق إذ يقول في قصيدة (البلبل الغريب) التي أنشدها من فيينا (الغريب) التي أنشدها من فيينا انطوى.. ويا ربّ نور وهج الشرق لا خبا.. وأعشق برق الشام إن كان ممطراً.. حنوناً بسقياه وإن كان خلبا.

وتعتبر قصائد البدوي من أرق عيون الشعر العربي المعاصر لاسيما قصيدته التي أنشدها من غربته في فيينا في عيد ميلاد حفيده فاستخلصت منه قصيدة فريدة في الشعر العربي عن الطفولة فالقصيدة معزوفة متكاملة في النجوى والحزن والإعتداد والصبر والوطن فإن جانب الطفولة ناغى دواخلنا فسكنت القصيدة حنايا الروح وتحولت إلى ابتهال ودعاء يقول فيها الشاعر.. ويا رب من أجل الطفولة وحدها.. أفض بركات السلم شرقاً ومغربا.. وصن ضحكة الأطفال يارب إنها.. إذا غردت في ظامئ الرمل أعشبا.. ويا رب حبب كل طفل فلا يرى.. وإن لجّ في الإعنات وجهاً مقطبا.. وهيئ له في كل قلب صبابة.. وفي كل لقيا مرحباً ثم مرحبا.

كما استطاعت أشعار البدوي تقديم لوحات شعرية في غاية الرقة ومهارة الصنعة الأدبية الشعرية التي لطالما اشتهر فيها لاسيما في أغراض الغزل والعشق والحب معتبراً المرأة في قصائده نبعاً من ينابيع الجمال الكوني اللانهائي مطوحاً فبين الشخصي والموضوعي ليقترب في وصفه وغزله من أسلوبية فنية تركت للقارئ لعربي أعذب قصائد قيلت في شكوى لواعج القلوب وتباريحها فيقول..هدهد همومك عندي على حيائي وصدّي.. حور النعيم تمنت نعمى هواي ووجدي.. هل عندهن رحيقي وهل لديهن شهدي؟.. يا ساكب الشعر خمراً من شعر ربك خدي.. يا سكرة بعد صحوي وفتنة بعد رشدي.

سامر إسماعيل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق