16‏/08‏/2012

الفن التشكيلي السوري.. متاحف بصرية وثقت للحياة السورية المعاصرة



دمشق - سانا:
 
استطاع الفن التشكيلي السوري ولاسيما منذ أواخر التسعينيات وبدايات الألفية الثالثة إيصال اللوحة السورية إلى مكانتها الحالية كأحد أبرز النشاطات الثقافية لنشهد اليوم محترفاً فنياً عالياً في حضوره العربي والدولي يتكئ في مفاصله الأساسية على الخوض في خصوصية فنية يبني فيها الفنان التشكيلي السوري رؤاه البصرية بطرائق مختلفة تتمازج فيها قوة التكوين مع سطوة اللون مع أفكار تتشبع بها اللوحة حافرة في الوجدان والذاكرة مكانها الخاص.
ومن التجارب الهامة على صعيد البحث التشكيلي ما قدمه الفنان نزار صابور في محاولاته المتكررة لتأصيل هوية لوحاته عبر اعتماده في بنائها على المستطيلات المتعامدة التي تشكل سرداً بصرياً يتعزز على السطح التصويري الذي ينقل حساسيات الجدار أما اللون عنده فيحضر ضمن قيم غرافيكية لخدمة سطح اللوحة إضافة إلى استخدام تقنية الطباعة في رسم الشخصيات الذي يساهم مع بروز السطح في نقلنا إلى ما يشبه النحت النافر ما أكسب أعمال صابور طابعاً تاريخياً يوحي بالجلال والمهابة.
واستطاع صابور أن يقدم سرداً بصرياً موازياً للسرد التاريخي الذي أراده كما في معرضه عن تدمر معززاً النمو الدرامي للشكل الذي يتجسد في حركته وتوتره ضمن حيز المكان ناقلاً دلالات انفعالية ومعاني فكرية تقترب جداً من رسم الأيقونات التاريخية بحيث أن هذا الفنان يقدم من خلال تناقضات الذاكرة والواقع قصائد بصرية مفعمة بالحنين والحميمية مع قيم ماضية كما في ربطه بين حضور زنوبيا الآسر وتكويناتها الموازية على سطح لوحاته التدمرية.
في حين تعتمد تجربة الفنان سعد يكن على الذاكرة ومسارحها المتعددة وتلك الملاعب البهية بين الواقع والخيال ما جعله يشكل ظاهرة منفردة في التشكيل السوري تندمج فيها حياته مع أعماله لدرجة أنها تمثل في غالبيتها نوعاً من اليوميات ورغم أن تعبيريته ركزت على حيرة وقلق الإنسان المعاصر الذي يرزح تحت ثقل مصيره إلا أن ذلك الإنسان ليس الآخر دائماً بل هو صيغة تجمع ذاك الآخر بالأنا بحيث أنه يتقن رسم نفسه إلى جانب وجوه الآخرين.
20120815-190624.jpg
ويتميز فن يكن أيضاً بأنه يجمع بين تقنية صعبة وقدرة على الرسم تعتمد على قوة الخط ومجموعة ألوان منتقاة تضفي مزيداً من الشدة النفسية والتعبيرية على أجوائه كما تشكل حركة الإنسان أ يديه وأرجله خصوصاً إشارات تشكيلية مهمة وهو يخترع رموزاً تفلت من مكانها وزمانها الحاضرين وتتحول إلى رموز عالمية ويتحول قلقها إلى قلق محير مؤرق.
بصمة هامة اخرى في التشكيل السوري حققها الفنان محمد غنوم باعتماده على الحرف العربي مبرزاً إمكانياته الجمالية من جهة وقدرته على المساهمة في صنع لوحة معاصرة بواسطة استخدامه من جهة أخرى حيث ركز على تكوينات الحرف العربي الذي يتدفق لديه في فضاء اللوحة بحركة رشيقة ومتوالية في تكرار يستعين باللون ومشتقاته لتعزيز انسيابية انطلاقته.
ورغم الوجود القوي والأساسي للحرف العربي في أعماله إلا أن رؤية تجريدية لتوزع الحروف والفراغات واللعب الجميل باللون كلها عناصر تسهم في تحويل هذا الحشد المتراكم للحروف إلى عالم متكامل من الألوان التي تعزز من القيمة البصرية الصافية لهذه الأعمال إذ ركز هذا الفنان في أعماله على مجموعات محددة من الألوان مستقاة من التراث الدمشقي بشكل عام كالأزرق والأخضر والذهبي ضمن تنويعات وخلطات تعتمد غالباً على مساحات كبيرة من اللون التي تشكل أرضية جميلة وأساساً تنهض عليه الحروف في طيرانها والتفافاتها وموسيقاها.
وما كان لهذه التجربة أن تحقق حضورها الخاص لولا دراسة هذا الحروفي الأكاديمية والمتأنية لقواعد الخط العربي بجميع أنواعه من الكوفي وتفرعاته الفاطمية والأندلسية.. إضافة إلى الأسلوب اللين وما يتضمنه من خطوط النسخي.. الرقعي.. التعليق.. الثلث.. الديواني... وهو بذلك يناقض أولئك المدعين برسم اللوحات الحروفية دون معرفة قواعد الخطوط وبناء جمالياتها الأكاديمية والمتوارثة عبر الأجيال.
أما الأعمال التصويرية للفنان يعقوب إبراهيم فأثارت الكثير من الجدل لما تضمنته من قدرات تقنية مدهشة جعلته في بؤرة الضوء ووضعته في الصفوف المتقدمة للمحترف التشكيلي السوري وذلك لما تستغرقه بحوثه الفنية من أجل اكتشاف الجديد الذي يوصله إلى هدفه المتمثل في الاستفادة من التراث التصويري والنحتي لبلاد الرافدين واستلهام القيم الجمالية والتعبيرية التي يحتضنها ذلك التراث دون الوقوع في مخاطر التسجيلية أو إعادة الصياغة بصورة آلية بحيث يصبح العمل الفني نسخة عما أنجزه الفنان القديم في هذه البلاد.
ولعل التفات إبراهيم إلى التعمق في دراسته التشكيلية التي انطلقت من دمشق وانتقلت إلى فلورنسا بإيطاليا لم يجعل من مكان ولادته الدرباسية والتي مرت عليها الكثير من الحضارات ومن أهمها الآشورية تبتعد عن فنه لدرجة قول الناقد الإيطالي ريكاردو كارابللي عن لوحتي /الميلاد/ و/قيامة المسيح/ الذين حققهما الفنان السوري لصالح كنيسة /رينيا نوسول آرنو/.. إن الضوء الذي يشع في لوحاته ليس ضوءاً أوروبياً إنه ضوء سوري لقد مزج الفنان في نفسه بين الثقافتين الأوروبية والشرقية.
وتأثرت تجربة إبراهيم بالمنجزات التصويرية والنحتية للفنون الآرامية السورية بما تمتلكه من صياغة فنية وخصائص غرافيكية ما جعل التعبير الفني في لوحاته لا يقتصر على الجماليات المجردة بل تبرز كانعكاس لتأملات الفنان وترجمة لتجربته الحياتية وأفكاره ودراسته لأساطير الرافدين التي تبدت في نصوص مكتوبة ومنحوتات حجرية وجداريات تجلت فيها المعاني الإنسانية العميقة ومن ذلك جدارياته التي تشعرك بانتمائها لحضارات شرق المتوسط بروحانيتها الخاصة وتمجيدها للإنسان والحياة اليومية والعطاء.
في حين تتجلى خصوصية أعمال الفنان أحمد معلا في كونها غنية بالدراما الصاخبة والمتوثبة فمسرح الحياة لديه تتصارع ضمنه وتضطرب وتتماوج فيه الأهواء والأفكار والحوادث الجسام فهي دراما ناتجة عن جموع غفيرة من الأشخاص تتزاحم وتتدافع من أجل موقع لها على سطح لوحته وهي مشغولة بحياتها على خشبة مسرحه لذلك ترى أصواتها تتعالى من أجل إثبات وجودها التشكيلي دون أن يعني انخفاض نبرة بعض الأشخاص هو عدم أهميتهم بل على العكس هم ضروريون لاستكمال بلاغة المسرح التشكيلي الذي يقترحه.
ويتمتع معلا بإدراك عميق واحترام عظيم لفنون صنعته من ألوان زيتية أو إكريليكية إضافة إلى معاجينه وريشه وسكاكينه وأدواته الأخرى إذ انه لا يقارب فنه باستهانة فكل مربع صغير في لوحته هو نتاج تأمل عميق وعمل كثيف ومخاض فني فيه ما في الولادة من ألم وحب.
أما أبرز ما يميز تجربة سبهان آدم فهو كائناته أو وحوشه التي تطل من خلال لوحاته وكأنما جاءت من عالم القلاع الرطبة للقرون الوسطى والتي تبين أن رؤيته التشكيلية اتسعت حتى تجاوزت الجمال الخارجي إلى الاهتمام بقيم القبح فهو يرسم عالماً مفزعاً تستدعيه العوالم الداخلية المعقدة إلى الخارج فيما يشبه الفضيحة ويجري تصويرها وتشريحها ضمن أجواء لونية تستعمل بالحد الأدنى في تركيز بؤري على الحدث البسيكولوجي.
20120815-190654.jpg
ويؤكد آدم في أكثر من لقاء صحفي أنه استعان في شحذ كائناته التشكيلية بما استقاه من ثقافة ومعرفة عن سورية ولاسيما شمالها الشرقي بما تمتلكه من غنى تاريخي على الصعيد اللاهوتي والحضارات المتعاقبة إضافة إلى كونه فنانا متابعا يطلع على ما يجري في العالم مهملاً للكثير من التجارب العادية ومهتماً بتجارب تشكيلية كان لأصحابها وضعهم القلق والمتمرد على محيطهم أمثال أدونيس وفاتح المدرس وفرانسيس بيكون... إذ يعتبرهم قدوة له ويحس أنه يشتغل على مسارهم نفسه من ناحية السعي لتحقيق إضافة حقيقية على مسيرة الفن التشكيلي مهما كانت بسيطة ولكن شريطة أن تكون خاصة وأصيلة.
بدورها تهتم الفنانة سارة شما في واقعيتها التشكيلية باتقان لتشريح الجسد الإنساني إضافة إلى العناية بالعوالم الداخلية للإنسان والتداعيات النفسية المعقدة وعوالم اللاوعي مقتربة من السريالية وعوالم الميتافيزيق التي تتطلب الكثير من الغنى على الصعيد الداخلي ورغم امتلاك هذه التشكيلية الشابة لأدوات التعبير الفني من قدرة رسم واقعي ممتازة وتكوين متين ومدروس واستخدام مناسب للون إلا أن تميزها يكمن في كيفية وضع الأشكال ضمن فراغ اللوحة واستخدامها استخداماً غير عادي.
ترسم سارة غالباً نفسها ولكنها تعيد صياغة شكلها لتضع نفسها في أجواء غرائبية وتلجأ أحياناً إلى الواقعية القصوى في إبراز تفاصيل الجلد ومسامه والشفاه وبريق العينين دون أن يكون ذلك صورة شخصية لكائن نعرفه فقط بل هي بورتريهات شخصية لاطلاعنا على عالم اخر يعكس صورة الإنسان الصافي المجرد وعلاقته بالكون والناس حوله بكل التعقيدات والمسارات التي تتشكل ويعاد تشكيلها في كل لحظة من حياته.
وتعتبر تجربة الفنان أكثم عبد الحميد من التجارب النحتية المهمة في الفن التشكيلي السوري المعاصر والتي اهتمت بالخشب بشكل أساس لنقل الشحنة التعبيرية بوساطته كاتجاه فني يهتم بالإنسان وقضاياه في صياغة تؤكد على روح المكان وعلى ذاكرته وتستحضر التاريخ العميق للمنطقة ورموزه وأساطيره ومورثاته في عملية تحديث وتوليف معاصر وفي اعتماد أساسي على الخشب بأنواعه كحامل نبيل للفكرة ومادة تحمل في داخلها طاقة أولية وروحا خفية.
ويركز عبد الحميد في أعماله على المرأة في تكوينات تجمع بين القيم الواقعية من حيث الاهتمام بالنسب والمشابهة والقيم التعبيرية والرمزية كالحب والتضحية والجمال إضافة إلى الربط بين قيم الماضي والحاضر والعادي والمقدس واستخدام كل الإشعاع الذي ينبثق من تفاصيل الجسد وعلاقته بالتغيرات الكونية من حوله للظفر بخصوصية لعمله الفني.
20120815-202442.jpg
بدوره يجمع الفنان مصطفى علي في عمله الفني تراث بلاده بحضاراته المتنوعة والمتعاقبة بالكم الهائل من حكاياها وميثولوجياتها إلى إطلاع مكثف ومعمق على الفن العالمي الحديث والمعاصر والقديم حيث انه صاغ عالمه الخاص من اندماج لطيف بين هذين العاملين مركزاً على الإنسان وقلقه الوجودي حيث ذهب بعيداً في مغامرته التقنية والفكرية لسبر أغوار العلاقة بين الماضي والحاضر والداخل الإنساني في علاقته مع الخارج واستخدام الكائن الإنساني وجهاً وجسداً كأداة تعبيرية ومخزناً للدلالات.
ورغم أنه اشتغل على العديد من المواد رخام.. حجر.. خشب... إلا أن تجربته في العمل على البرونز بغناها وتنوعها شكلت العمود الفقري لتجربته النحتية التي اكتسبت هوية شديدة التميز والخصوصية إذ إنه أوجد في خضم بحثه تلك التماثيل البرونزية الصغيرة المفعمة بالحركة على شكل شخصيات منفردة أو ثنائيات أو حتى مجاميع في تكوينات جميلة شكلت شخصية مميزة لعمله الفني كما أضحت منطلقا للعديد من الفنانين في النحت السوري المعاصر.
وثمة مجموعة أخرى من التجارب الهامة نذكر منها ما قدمه أسعد عرابي بنزعته التعبيرية التي ما لبثت أن تحولت إلى التجريد شيئاً فشيئاً مع قوة في اللون وموازنة بين الفنان المبدع والفنان الناقد وتجربة مروان قصاب باشي ووجوهه التي تحتل سطح لوحاته بكل ما فيها من معان خفية ومخيفة بحيث تكون أقنعة لذاتها وأقنعة لمشاهديها لكنها في الوقت ذاته تبدو حنونة لشدة براعتها في الموازاة بين حاجتها إلى التعبير عن نفسها وبين قدرتها على تمثيلنا إلى الدرجة التي تلغى فيها الحدود بينها وبيننا.
وهناك تجربة نصير شورى عاشق القرى السورية وأعمال أدهم إسماعيل التي يبرز فيها البعد الاجتماعي وموقفه من قضايا الإنسان والبعد التراثي واستلهام المفاهيم التشكيلية العربية وفاتح مدرس وأدونيس وأسماء فيومي وغيرهم وكلها كونت متاحف بصرية وثقت للحياة السورية المعاصرة ببشرها وحجرها.

سامر إسماعيل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق