01‏/08‏/2012

السعودية: رمضان صديقاً (2-2)

رمضان صديق  « 2-2»

جاسم الصحيح:
 
ثمَّ تمضي يا صديقي وقد تركتَ لنا هديّة بحجم الطفولة اسمها : العيد.. عندما كان عيدا .. وكنَّا لا نعرف مَن هو الأكثر فرحا في صباحاته : نحن أم الأثواب الجديدة التي ترفرف علينا بالسرور مثل أطيار هاربة من الأقفاص. هناك .. كانت تضمّنا الأرجوحة الحنون بين جوانحها بحنان الأمومة وتلاعبنا على أذرعتها حتى نشعر بأنّ العيد قد تسرَّب داخل ذواتنا بكامل أناقته وروعته.
في الطفولة يا صديقي .. كانت النفسُ كاملةَ الروحانيَّة، فلم أكن أحتاج للتطهُّر في مصافي قربك كثيرا.. وإذا كانت التقوى هي سرّ الصيام ، فالتقوى هناك كانت قائمة على الفطرة .. وكان يكفيني أن أتَّحد بمظهرك إيذانا بالقدرة على الولوج إلى جوهرك في الكِبَر .. فالمظهر طريق إلى الجوهر كما كنت أظنّ، ولا أزال على ذات الظنّ.

لقد كبرنا معاً يا رمضان ولست وحدي الذي كبر .. ومثلما كنت أراك تطفح بالروحانيَّة على ملفع أمّي، رأيتك تطفح بالروحانيّة نفسها على خمار زوجتي منذ أن سقطتُ من رحم الأولى إلى حضن الثانية وأنا في التاسعة عشرة من العمر. لقد كبرنا أيها الكائن الجميل، وكبرتْ معنا مائدتُك مائةَ طبقٍ من الحلويات والفطائر والكبّة والكفتة وغيرها. لقد كبرنا.. وصغرَت التقوى والروحانيّة ولم تعد أنت قادرا على الخروج من الكتب والصحاح بكامل طاقتك كي تتجسّد في النفوس.
لقد كبرنا .. وأصبحنا حضاريِّين يا صديقي .. فها أنت تولد من صفحات الإنترنت في شكل بشارة، وتخرج من موسم الدعاء إلى مواسم البيع والشراء، وتتصدَّر الإعلانات ذات الألوان والأضواء التي تخنق الحقيقة بالوهم.  وها نحن نخمد أنفاس لياليك في بحيرة السهر على شرفات التلفزيون ونضيِّع جواهرك في الشعائر ، ثمَّ نغادرك إلى العيد الذي استبدل جذوع الأراجيح بالحديد من فرط حضاريَّته، وأطلق البلالين الملوَّنة بدلا من الطائرات الورقية .. هذا هو العيد : فرحٌ آيلٌ للصدأ من فرط ما نخرته كيمياء النسيان.. نأتي إليه لنقاوم صدأه بطلاء الابتسامات والتهاني والثياب الجديدة بعد أن تآكلت القيم في باطنه !
في الختام يا صديقي .. لا بدّ أن أعترف لك بأنني ترعرعت في أكناف صديق لا تبرد صداقته الحميمة مهما ران عليها جليد القطيعة، لكن دعني أهمس في أذنيك بوصية : غداً سوف تضيء قناديلك في كوى الزمان والمكان .. فلا تنسَ أن تضيئها قبل ذلك في أعماق الإنسان!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق